
أوحى تحرك السفير الأميركي في بيروت ميشال عيسى نحو قصر بعبدا والسرايا الحكومية امس بجديد ما يقف وراء الزيارتين اللتين جاءتا بعد ساعات من إصدار السفارة الأميركية بياناً لافتاً في طابعه غير الكلاسيكي إذ تضمن دعوة واضحة إلى لقاء يجمع الرئيس اللبناني العماد جوزف عون ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وعبارة “ولى زمن التردد” وهو نوع من المواقف التي لا تصدر عادة عن السفارات بل عن الرؤساء أو الحكومات او الوزارات المعنية بالعلاقات بين الدول .
ولكن أي معطيات واضحة لم تتسرب عن طبيعة ما نقله السفير عيسى وما إذا كانت على صلة بالمساعي لترتيب موعد لزيارة الرئيس عون لواشنطن او الإعداد لاجتماع ثالث على مستوى السفراء يجري خلاله الاتفاق على برمجة المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية المباشرة برعاية أميركي.
بل علم ان التركيز في هذا التحرك تناول تثبيت وقف النار ووقف استهداف المدنيين والمنشآت المدنية قبل استكمال مسار المفاوضات ولم يتطرق إلى أي ملف آخر .
كما علم ان السفير عيسى لم يحمل دعوة من الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى الرئيس عون لزيارة واشنطن .
وأفادت معلومات ان المسؤولين اللبنانين فوجئوا ببيان السفارة الأميركية وان السفير عيسى يدفع في اتجاه إقناع الرئيس عون بضرورة حصول اللقاء بينه وبين نتنياهو ، إلا ان عون بقي على موقفه الذي يشدد على انه من غير الوارد ان يلتقي نتنياهو لمجرد التقاط الصورة واللقاء ان كان واردا فهو يجب ان يأتي تتويجا للمفاوضات لا ان تبدأ به علما ان المفاوضات هي التي تحدد مصير هذا اللقاء من عدمه.
وكان الرئيس عون استقبل ظهر امس في قصر بعبدا السفير الأميركي بعد عودته من واشنطن وأفادت المعلومات الرسمية الصادرة عن قصر بعبدا ان عون عرض معه التطورات الراهنة لا سيما ملف تثبيت وقف اطلاق النار ووقف استهداف المدنيين والمنشآت المدنية تمهيدا لاستكمال الاجتماعات في واشنطن ما يؤدي الى تحقيق انجاز السلم والاستقرار على الحدود والاعلان عن ذلك في واشنطن.
وأكّد السفير عيسى دعم الولايات المتحدة المستمر للبنان ومؤسساته. ومن جهته شكر الرئيس عون السفير الأميركي على استمرار الدعم الأميركي من اجل تحقيق الاستقرار في لبنان. كما استقبل رئيس مجلس الوزراء نواف سلام في السرايا السفير عيسى. وجرى البحث في تثبيت وقف إطلاق النار والمحادثات المتعلقة بالتفاوض مع اسرائيل.
في غضون ذلك لم تبرز أي مؤشرات إلى حلحلة على خط بعبدا – عين التينة اذ بات مستبعدا عقد أي لقاء بين رئيس الجمهورية ورئيس مجلس النواب نبيه بري في وقت قريب في ظل توتر غير مسبوق أصاب علاقتهما بعد الرد الجاف وغير المألوف بنبرته الذي أصدره بري قبل أيام ردا على عون بما أصاب العلاقة بضرر تصفه المعطيات الجادة بانه اكثر من عميق .
ولم يبدد اول حديث لبري بعد هذا التطور التوتر القائم مع بعبدا . ففي تعليق له على البيان الصادر عن السفارة الأميركية في بيروت، والذي دعت فيه رئيس الجمهورية العماد جوزف عون إلى عقد اجتماع مباشر مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، قال بري امس في حديث صحافي “إن البيان يُعبّر عن نفسه، وليس عندي ما أضيفه عليه”، مؤكداً أنه “أوقف تشغيل محركاته، وأن جوابه على رئيس الجمهورية جاء رداً على ما قاله أثناء استقباله للهيئات الاقتصادية» في إشارة إلى ما قاله عون عن تنسيق كامل مع بري بخصوص المفاوضات وهذا ما يكمن وراء اعتذاره عن حضور اللقاء الذي كان مقرراً مع الرئيس عون ورئيس الحكومة نواف سلام في القصر الجمهوري.
وتطرق الرئيس بري إلى تمديد الهدنة لثلاثة أسابيع بتدخل من الرئيس الأميركي دونالد ترمب، متسائلاً: أين هي هذه الهدنة؟ وهل أوقفت إسرائيل تجريفها البلدات وهدمها المنازل، واستباحتها دماء الأطفال والنساء والشيوخ، ومنعها فرق الإسعاف من إنقاذ الجرحى ونقلهم إلى المستشفيات، أو سحب من علقوا تحت الركام حتى فارقوا الحياة؟
كما أشار إلى استهداف الهيئات الصحية والمسعفين، ما أدى إلى استشهاد العشرات منهم، متسائلاً عمّا إذا كان جميع هؤلاء الضحايا جزءاً من البنى العسكرية لـ”حزب الله” كما تدّعي إسرائيل لتبرير تدميرها للبلدات الجنوبية”.
وقال إن “الهدنة المزعومة أتاحت لإسرائيل التمادي في عدوانها وارتكاب المجازر على نحو غير مسبوق، من دون تدخّل الولايات المتحدة الأميركية لإلزامها بوقف الأعمال العدائية وتثبيت وقف النار، خصوصاً أنها كانت وراء التوصل لتمديد الهدنة، ما يدعوها لاحترام تعهّدها أمام اللبنانيين والمجتمع الدولي، وإلا ما الجدوى من المفاوضات تحت ضغط إسرائيل بالنار؟ وماذا سنقول لذوي شهداء الغدر الإسرائيلي من الجنوبيين؟”
وبدوره مضى “حزب الله “في تصعيد حملته على الرئيس السلطة والرئيس عون اذ اعتبرت كتلته النيابية، “كتلة الوفاء للمقاومة” ، في بيان أصدرته امس ان “بعض أهل السلطة اللبنانية يستخدم لغة واتهامات التخوين بحق طائفة وطنية جامعة داعمة للمقاومة وخياراتها وعابرة للمناطق والطوائف والاتجاهات، في حين أنه يضرب صفحاً عن مواقف أميركية تنتهك بطريقة مهينة السيادة الوطنية، وأهمها المذكرة الأميركية الفضيحة التي تعتمد السلطة إزاءها سياسة الغموض الهدّام الذي يفاقم في تظهير عجزها وخوائها، فيفقدها بالكامل ثقة الناس ويضعها في خانة الانصياع الكامل لإملاءات ووصاية الإدارة الأميركية”.
وأكدت الكتلة “أن مسار التفاوض المباشر مع العدو الذي ذهبت إليه السلطة مرفوض ومدان، ويشكل انحرافاً عن الثوابت الوطنية ومساساً بالسيادة، ويناقض الوفاق الوطني واتفاق الطائف، ويجافي منطق تحقيق المكاسب واستعادة الحقوق الوطنية، وأن أي مخرجات أو نتائج تحصل لسنا معنيين بها على الإطلاق”.
اما على الصعيد الميداني فسجل احتدام تصاعدي في الغارات الإسرائيلية كما في إطلاق المسيرات من جانب “حزب الله ” بحيث بات الجيش الإسرائيلي يضغط على المستوى السياسي في إسرائيل لتوسيع اطار غاراته وعملياته في العمق اللبناني بدافع التصدي لإطلاق المسيرات من مسافات بعيدة خارج اطار منطقة الخط الأصفر.
وفي السياق أفادت القناة 12 الإسرائيلية، بأن سلاح الجو بدأ بنشر رادارات ومكونات من منظومة “القبة الحديدية” داخل الأراضي اللبنانية، بهدف زيادة وقت الإنذار المبكر. وافادت هيئة البث الإسرائيلية بأن القوات الجوية نقلت رادارات لرصد الطائرات المزوّدة بألياف بصرية بالإضافة إلى منصات إطلاق القبة الحديدية إلى الحدود اللبنانية لمواجهة هذا التهديد.
ونقلت هيئة البث عن ضابط رفيع بالجيش قوله ان “الدفاع غير كاف ويجب مهاجمة مشغلي المسيرات بعمق ٢٠ كلم . ولاحقاً برز تطور بالغ الأهمية تمثل في اصدار رئيس أركان الجيش الإسرائيلي إيال زامير تعليمات إلى القيادة الشمالية وسلاح الجو بتوسيع نطاق الضربات لتشمل سلسلة إنتاج وإمداد الطائرات المسيّرة التابعة لـحزب الله داخل العمق اللبناني، وذلك عقب هجمات بمسيرات أسفرت عن مقتل جنديين ومدني خلال الأسبوع الماضي.
ووفق ما نقلت وسائل إعلام إسرائيلية، فإن القرار الجديد يمثل تحولاً في قواعد الاشتباك، إذ لم تعد الضربات مقتصرة على جنوب لبنان، بل قد تمتد إلى مناطق أبعد شمالاً، في محاولة لإضعاف ما تصفه إسرائيل بـ”التهديد المتصاعد” للمسيّرات الانقضاضية.
ويأتي هذا التوجه بعد فترة من الالتزام النسبي بعدم استهداف مناطق خارج الجنوب، خصوصاً منذ إعلان وقف إطلاق النار، رغم تسجيل خروقات متكررة. إلا أن التطورات الميدانية الأخيرة دفعت الجيش الإسرائيلي إلى إعادة تقييم استراتيجيته.
وفي السياق، أقرّ مسؤول عسكري إسرائيلي بأن مواجهة هذا النوع من الطائرات يشكل تحدياً معقداً، مشيراً إلى عدم وجود “حل سحري” حتى الآن، في ظل العمل على تطوير وسائل قادرة على الحد من تأثيرها في الميدان.
ويعكس القرار تصعيداً إضافياً في المواجهة على الجبهة اللبنانية، وسط مخاوف من اتساع رقعة الضربات وتداعياتها على الداخل اللبناني.
وفي توسيع جديد للإنذارات والإخلاءات بعيدا عن الخط الأصفر ، اصدر المتحدث باسم الجيش الاسرائيلي إنذارا عاجلا موجّها إلى سكان بلدة حبوش في النبطية، دعاهم فيه إلى إخلاء منازلهم فورًا. وقال أن هذا التحذير يأتي على خلفية ما وصفه بخرق حزب الله لاتفاق وقف إطلاق النار، مشيرًا إلى أن الجيش سيعمل ضد الحزب “بقوة” من دون نية استهداف المدنيين. وبعد ذلك شن الطيران الحربي الإسرائيلي سلسلة غارات على حبوش .
ودعا البيان السكان إلى الابتعاد عن البلدة لمسافة لا تقل عن 1000 متر باتجاه مناطق مفتوحة، محذرًا من أن التواجد قرب عناصر حزب الله أو منشآته ووسائله القتالية يعرّض الحياة للخطر. وعلى الأثر شن الطيران الحربي الإسرائيلي غارتين على بلدة حبوش بما أدى إلى سقوط ستة ضحايا وثمانية جرحى .
ومن جهة أخرى، أعلنت المتحدثة بإسم الجيش الإسرئيلي ايلا واوية أن “قوات فرق القتال التابعة لألوية المظليين، جفعاتي، الكوماندو ولواء النيران (214) بقيادة الفرقة 98، عملت خلال الأسابيع الأخيرة في منطقة بلدة بنت جبيل بهدف تطهير المنطقة من البنى التحتية الإرهابية وتصفية المخربين”. واضافت “خلال النشاط، دمرت القوات أكثر من 900 بنية تحتية إرهابية، وعثرت على مئات الوسائل القتالية، وقامت بتصفية أكثر من 200 مخرب، وذلك في اشتباكات من مسافة قريبة ومن خلال غارات جوية”
وأعلنت انه “في إطار نشاطات قوات الفرقة لتصفية وتدمير البنى التحتية الإرهابية، قام سلاح الجو، بتوجيه من قوات لواء المظليين، بتدمير ملعب البلدة بعد أن تم العثور عليه مفخخًا”.



