في وطننا، السجون لمن عارض الأسد.. والصمت لمن يتجرأ على رئيس الحكومة !

كتب ممحمد علوان لقلم سياسي،
في لبنان لم تكن المعضلة يوماً في غياب الدولة بل في طبيعة حضورها.
في زمن النظام السوري كانت الدولة حاضرة بكل ثقلها لكن في المكان الخطأ.
كانت يقظة إلى حد الإفراط حين يتعلق الأمر بالكلمة، سريعة في الملاحقة، حاسمة في القمع، لا تتردد في سجن كل من تجرأ وعارض بشار الأسد ولو بموقف.. ولو بجملة.
يومها كان الرأي يعامل كجريمة والتضامن مع شعب يذبح يصنف تهديداً، والكلمة كافية لفتح أبواب السجن.
هكذا امتلأت السجون.
وهكذا تحول التعبير إلى تهمة.
وهكذا دفع كثيرون ثمن مواقفهم ولا يزال بعضهم حتى اليوم خلف القضبان رغم أن النظام الذي عارضوه سقط وانتهت الحقبة التي استخدمت ذريعة لقمعهم.
لم يكن الشيخ أحمد الأسير حالة استثنائية بل كان نموذجاً صارخاً لهذه المرحلة.
صوت ارتفع في لحظة صمت ثقيل فكان القرار أن يكسر.
لا نقاش.. لا مواجهة سياسية، بل مسار أمني جاهز ينتهي بالإقصاء والتجريم.
لكن المفارقة التي لا يمكن تجاوزها تبدأ من هنا.
اليوم.. زعيم ميليشيا يقود بلداً بأكمله إلى حرب ودمار،
يفتح أراضيه على انتهاك مستمر ويجعل أجزاء من لبنان عرضة للاحتلال والدولة عليها أن تفاوض وتنهي الحرب !
الدولة عاجزة أمام من هدد السلم الأهلي فعلاً..
لا ملاحقة، لا مساءلة، لا حتى خطاب يوازي حجم الكارثة.
هنا ينقلب المشهد بالكامل:
من سجن لأنه تكلم ورفض السطوة إلى من يترك لأنه يملك السلاح.
من اعتبر خطراً لأنه رفع صوته، إلى من أصبح فوق المحاسبة لأنه يفرض القوة.
والأسوأ أن ترمى أخطر الاتهامات في وجه رئيس الحكومة.. اتهامات تمس الولاء والانتماء ولا يفتح أي مسار جدي للمساءلة.
فجأة يصبح الصمت سياسة، وتتحول الدولة إلى مراقب لا يملك أي قرار.
الدولة التي اشتدت على الكلمة، تخضع أمام السلاح.
سلاح لا يسأل عن شرعيته ولا يحاسب على قراراته،
ولا يراجع حين يجر البلاد إلى حروب لا قدرة لها عليها.
هذا السلاح الذي دفع لبنان إلى مواجهة مدمرة وليست كلمة الحق، هذا السلاح الذي كانت نتيجته دمار، نزوح، وانكشاف أمني خطير.
هذا السلاح هو الذي جعل أجزاء من الجنوب اللبناني اليوم تحت الاحتلال الدائم.
في الأمس كانت الدولة قوية لأن خصمها أعزل.
واليوم لا دولة أمام هذه الميليشيا.
ليست المسألة ازدواجية معايير فقط بل اختلال عميق في معنى الدولة نفسه.
دولة تجرأت على من عارض الأسد وعجزت أمام من تخطاها وتخطى قرارها.


