
عاود الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الإعراب عن قناعته بأنه لا يمكن نزع سلاح حزب الله أو مكافحته على يد إسرائيل، وأن العملية العسكرية الإسرائيلية على الأرض وقصف لبنان ليس مقبولاً…
تطوي الحرب الجارية بين إسرائيل و”حزب الله” اليوم أسبوعها الثالث وسط احتدام متدحرج ينذر بأن تكون المراحل المقبلة من هذه الحرب أشدّ وطأة على لبنان من كل فصولها السابقة، إن لجهة توسيع إطار العمليات الحربية والميدانية وإن لجهة الإمعان في زجّ لبنان في أتون تداعيات الحرب الإقليمية الأوسع الذاهبة نحو تداعيات غير مسبوقة، بما يترك لبنان عرضة لتهميش دولي تحت رحمة حرب لا أفق ممكناً لنهايتها بعد. ولعلّ الجانب الخطير الآخر الذي برز بموازاة التصعيد الكبير الذي طبع الساعات الثماني والأربعين الأخيرة على جبهة الجنوب، تمثّل في تصاعد مكامن أخطار داخلية ينظر إليها باشتباه مقلق كأنه يراد لها أن تشكّل أفخاخ اضطرابات داخلية ذات طابع طائفي ومذهبي. وهذا ما ينطبق على معطيات خطيرة تكشف إجراءات يتولاها “حزب الله” في “بيروت الغربية” بدأت تثير مخاوف عميقة مما يخطط له الحزب في منطقة مسكونة بهاجس عملية 7 أيار ومثيلاتها. ولا يختلف الأمر كثيراً عن العاصفة العلنية والضمنية في “بيروت الشرقية” التي فجّرها اتجاه غريب إلى إقامة تجمّع إيواء للنازحين في منطقة مرفأ بيروت – الكرنتينا بما أقام جبهة رفض متّسعة لهذا الاتجاه بعد استحضاره “كوابيس” من ماضي الحرب وتجاربها، خشية نشوء “مربع أمني” تحت عباءة مراكز إيواء للنازحين.
وبالعودة إلى التطوّر الأخطر المتمثل في اندفاع إسرائيل نحو توسيع التمدّد البري لفرقها العسكرية القتالية في الجنوب، فبدا واضحاً أن المخاوف من تجربة “غزاوية” في جنوب لبنان لم تعد مجرّد تقديرات، بل أكدتها إسرائيل مباشرة بتوسيع عملية تدمير الجسور على مجرى نهر الليطاني لاستكمال عزل أقضية الجنوب وتقطيعها، كما ترافق ذلك مع الشروع في عملية تدمير منهجية لـ”الخط الأول” الحدودي الذي يشمل بلدات وقرى الحافّة الأمامية بما يكرّر “تجربة غزة” بهدف تحويل المنطقة أرضاً محروقة منزوعة من البشر تماماً وتسهيل مطاردة الجيش الإسرائيلي لعناصر “حزب الله” وتفريغ المنطقة إلى أمد طويل تحت وطأة واقع احتلالي. هذا التطور الخطير سيضع الدولة اللبنانية أمام أشدّ تحدياتها قسوة، بعدما صارت بين مطرقة الانجراف الإسرائيلي نحو تكرار تجربة غزة وسندان الرعونة التي تطبع انزلاق “حزب الله” الكارثي لإسناد الحرس الثوري، وتوزيع الأدوار معه في إطلاق الصواريخ من لبنان على إيقاع الردّ الإيراني ضد إسرائيل.
وأما الأنكى في هذه المعطيات، أن لبنان يجد نفسه أعزل ديبلوماسياً، إذ يقتصر الدعم الخارجي الفعلي على الموقف الفرنسي. وفي هذا السياق، عاود الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الإعراب عن قناعته “بأنه لا يمكن نزع سلاح حزب الله أو مكافحته على يد إسرائيل، وأن العملية العسكرية الإسرائيلية على الأرض وقصف لبنان ليس مقبولاً، لا بالنسبة للقانون الدولي ولا لمصلحة لبنان ولا لأجل أمن إسرائيل على المدى الطويل، خصوصاً أن إسرائيل قامت بعمليات مماثلة منذ سنوات قليلة ولم تؤد إلى نتيجة”. وكشف ماكرون أن “فرنسا تعمل في إطار دعم الحكومة اللبنانية لإيجاد حل، ولقد قمنا بخطوات بالتنسيق مع الأميركيين لإقناع الطرفين باللقاء”.
بإزاء هذا الواقع، دان رئيس الجمهورية جوزف عون استهداف إسرائيل البنى التحتية والمنشآت الحيوية في جنوب لبنان وتدميرها، ولا سيما جسر القاسمية على نهر الليطاني وغيره من الجسور، واعتبر “أنّ هذه الاعتداءات تشكل تصعيدًا خطيرًا وانتهاكًا صارخًا لسيادة لبنان، وتعتبر مقدمة لغزو بري طالما حذّر لبنان عبر القنوات الديبلوماسية من الانجرار إليه. وتعكس هذه التوجهات جنوحاً خطيرًا نحو التدمير الممنهج للبنى التحتية والمرافق المدنية والمناطق السكنية في القرى اللبنانية، بما يرقى إلى سياسة عقاب جماعي بحق المدنيين، وهو أمر مرفوض ومدان وغير مبرر ويخالف صراحةً قواعد القانون الدولي الإنساني التي تحظر استهداف المدنيين ومرافقهم الأساسية”.
وأدرج استهداف جسور نهر الليطاني “ضمن مخططات مشبوهة لإقامة منطقة عازلة، وتثبيت واقع الاحتلال، والسعي إلى التوسع الإسرائيلي داخل الأراضي اللبنانية”. وأضاف: “يدعو لبنان المجتمع الدولي، ولا سيما الأمم المتحدة وأعضاء مجلس الأمن، إلى تحمّل مسؤولياتهم واتخاذ إجراءات فورية لردع إسرائيل عن تنفيذ هذا الهجوم، فالاستمرار في الصمت أو التقاعس يُشجّع على التمادي في الانتهاكات ويُقوّض صدقية المجتمع الدولي”.
وفي المقابل، أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس أنّ “الجيش الإسرائيلي تلقّى تعليمات بالتدمير الفوري لكلّ الجسور فوق نهر الليطاني المستخدمة في أنشطة حزب الله”. وقال: “سنسرّع تدمير المنازل في القرى اللبنانية المتاخمة للحدود وسنمنع انتقال “حزب الله” وأسلحته لجنوب الليطاني”.
واقترن ذلك فعلاً باستهداف الجيش الأسرائيلي بعد ظهر أمس بغارة جسر القاسمية عند الأوتوستراد الساحلي بعد تهديد إسرائيل باستهدافه، ما شكّل حالة من التوتر والحذر في محلة الجسور التي تربط جنوب الليطاني – صور، بصيدا في محلة القاسمية.
ودعا المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي سكان الجنوب مجدداً للانتقال إلى شمال الزهراني، وقال: “حرصاً على سلامتكم يجب عليكم مواصلة الانتقال إلى منطقة شمال نهر الزهراني والامتناع عن أي تحرّك جنوباً الذي قد يعرض حياتكم للخطر”.
وبعد الظهر نفّذ الطيران الحربي الإسرائيلي حزاماً نارياً استهدف محيط كفرتبنيت في النبطية بأكثر من 15 غارة
إلى ذلك، استهدفت مسيّرة إسرائيلية، فجراً سيارة على مثلث برج الملوك – الخيام – كفركلا، ما أدى إلى سقوط ثلاثة جرحى كانوا داخلها.
وأعلنت صحيفة ”معاريف” الإسرائيلية أن عناصر من “حزب الله” تسلّلوا إلى مسكاف عام فجرًا ما أدى إلى قتيل وجريح وأضرار مادية. وفي المقابل، تحدّث الجيش الإسرائيلي عن قتل قائد القوات الخاصة في وحدة قوة الرضوان. وقال: “هاجم سلاح الجو في منطقة مجدل سلم بجنوب لبنان وقضى على المدعو أبو خليل برجي، قائد القوات الخاصة في وحدة قوة الرضوان التابعة لحزب الله الإرهابي وعلى عنصرين إرهابيين إضافيين. وكان برجي جزءًا من وحدة قوة الرضوان خلال السنوات الأخيرة وأثناء القضاء عليه كان يقود القوات الخاصة في الوحدة التي تخطّط وتتولى مسؤولية تنفيذ مخططات إرهابية لاستهداف قوات جيش الدفاع”.
على الصعيد الداخلي ووسط تصاعد المخاوف من معطيات أمنية مثيرة للشبهات في بيروت ومناطق أخرى، عقد رئيس مجلس الوزراء نواف سلام اجتماعًا حضره كلّ من وزير الدفاع ميشال منسى، ووزير الداخلية والبلديات أحمد الحجار، والمدير العام لقوى الأمن الداخلي اللواء رائد عبد الله، ورئيس شعبة المعلومات العميد محمود قبرصلي، ومدير العمليات في الجيش اللبناني العميد جورج رزق الله، واطّلع رئيس مجلس الوزراء منهم على التطورات في الجنوب، وما يرافقها من نزوح وتحديات أمنية في مختلف المناطق اللبنانية. وشدّد سلام على ضرورة تكثيف الإجراءات الأمنية في مختلف المناطق اللبنانية، لا سيما في العاصمة بيروت، حفاظًا على أمن المواطنين وممتلكاتهم.



