الجنوب.. محرقة الطوائف والطريق إلى “المعركة الكبرى”: هل تُعبَّد الجغرافيا بالدم لنداء “يا مسلم”؟

كتب عمر بلح لقلم سياسي،
يخطئ، بل يسطح الأشياء، من يقرأ مشهد الجنوب اللبناني اليوم على أنه مجرد “جبهة إسناد” أو جولة عنف تقليدية في الصراع المفتوح مع إسرائيل.
ما يجري على الأرض أعمق وأكثر رعباً من مجرد تغيير في قواعد الاشتباك؛ إننا أمام مسلخ جيوسياسي يُعاد فيه فرم الجغرافيا والديمغرافيا معاً. نحن لا نشهد تبدلاً في موازين القوى، بل نشهد عملية “اقتلاع” ممنهجة. هنا، التغيير الديمغرافي ليس أثراً جانبياً للحرب، بل هو الهدف المضمر الذي تتقاطع عنده إرادات تتجاوز تل أبيب.
السؤال المرعب الذي يجب أن يُطرح الآن ليس: مَن سينتصر غداً؟ بل: مَن الذي يُراد له أن يُمحى من الخريطة لتأسيس المرحلة المقبلة؟
للغوص في هذا العمق، يجب كسر المحرمات التحليلية. هناك قراءة صامتة، لكنها تفرض نفسها بقوة، ترى أن تفكيك البيئة الجنوبية—المحكومة بهوية مذهبية شيعية صلبة تقودها قوى كـ”حزب الله”—ليس مجرد استهداف لـ”محور”، بل هو عملية إزالة تاريخية لما يُسمى بـ”العائق الداخلي”.
في السرديات الكبرى، لا يمكن للمواجهة الفاصلة مع العدو الخارجي أن تندلع وهناك بنية مذهبية تحتكر الجغرافيا وتحجب الهوية الجامعة. من هذه الزاوية الصادمة، تبدو الآلة العسكرية الإسرائيلية، بوعي أو بدونه، وكأنها تؤدي وظيفة “البلدوزر” الذي يمهد الأرض ويزيل “الجدار المذهبي”، فاتحاً الطريق أمام صعود ديمغرافي وعقائدي من نوع آخر كلياً.
هذا التصور المرعب لا ينطلق من عبث سياسي، بل يستند إلى أعمق الجذور العقدية في الوجدان الإسلامي. في المرويات النبوية عن الملحمة الكبرى، حين ينطق الشجر والحجر، يكون النداء حاسماً ومجرداً من أي لوثة طائفية: “يا مسلم، يا عبد الله”.
لم يقل يا سني، ولا يا شيعي، ولا يا ابن الطائفة الفلانية. هذا النص، بقوته الرمزية، يفترض أن لحظة الحسم التاريخية تتطلب “هوية نقية وموحدة” (جماعة المسلمين الأولى). وبناءً عليه، تُطرح الفرضية الأخطر: هل تدمير الكيانات المذهبية اليوم، وسحق مشاريعها على الأرض، هو الثمن الحتمي، والمقدمة الدموية الإجبارية لتنظيف البيئة الجيوسياسية وخلق هذا “المسلم” الموحد الذي تتحدث عنه النبوءة؟ هل نحن أمام إبادة للطوائف تمهيداً لعودة “الأمة”؟
التاريخ يقف هنا كشاهد إثبات قاسٍ، لا كحكواتي. من يقرأ حركة التاريخ يدرك أن الانقسام الداخلي هو بوابة الغزو، وأن زوال الكيانات المذهبية كان دائماً الشرط المسبق لأي تحرير. لم ينهض الشرق في وجه الصليبيين إلا بعد أن تم سحق وإسقاط الدولة الفاطمية بكل حمولتها المذهبية؛ كان إزالة هذا “الكيان العائق” هو الممر الإلزامي لتوحيد الساحة الإسلامية واستعادة القدس. والمشهد ذاته يتكرر في السقوط المروع لبغداد عام 1258، حيث لا يذكر التاريخ جحافل المغول بقدر ما يذكر خيانة الوزير ابن العلقمي. الرسالة التاريخية واضحة ومخيفة: البنية المذهبية المغلقة داخل الجسد الإسلامي هي الثغرة التي يسقط منها الجميع، والتاريخ لا يعيد ترتيب نفسه إلا باقتلاعها.
وإذا رفعنا نظرنا قليلاً نحو سوريا، تكتمل أجزاء اللوحة الصادمة. ما جرى ويجري هناك من هندسة ديمغرافية مرعبة، وما نشهده من صعود متجدد لقوى ذات طابع سني، ليس مجرد ارتدادات لحرب أهلية. إنه استكمال لعملية كبرى تُعاد فيها هندسة المشرق بأكمله. نحن أمام تفكيك لمشروع مذهبي تمدد طويلاً، لملء الفراغ بمشروع آخر أكثر اتساعاً وانسجاماً مع العمق التاريخي للمنطقة. إنها تقاطعات مصالح دولية وحتميات تاريخية تُنتج واقعاً يُزال فيه من يعيق المشهد القادم.
بين حرائق الجنوب اللبناني، والزلازل الديمغرافية في سوريا، واستنطاق التاريخ ورعب النبوءات، تتشكل أمامنا سردية لا ترحم. سردية ترى أننا لسنا في مرحلة نزاع حدودي، بل في قلب مخاض ديني وجيوسياسي يُعاد فيه خلق المنطقة من جديد. الجغرافيا تُطحن ليُعاد تشكيلها، والإنسان هو وقود هذه المحرقة التي تُمهد لزمن آخر وهوية أخرى. هل نحن حقاً أمام مسار إلهي-تاريخي يمحو الطوائف ليصنع هوية المعركة الكبرى، أم أننا مجرد ضحايا لتفكك أعمق يُباع لنا في قوالب مقدسة؟ بين هذا وذاك، تبقى الدماء هي الحبر الوحيد الذي يُكتب به مستقبل هذا الشرق، والأيام هي ما ستكشف.



