
أنجز لقاء واشنطن اللبناني ـ الإسرائيلي المباشر على مستوى السفيرين برعاية وزير الخارجية الأميركية ماركو روبيو، اتفاقاً على مفاوضات مباشرة «في زمان ومكان يتمّ التوافق عليهما». وجدّد لبنان «التأكيد على الحاجة الملحّة إلى التنفيذ الكامل لإعلان وقف الأعمال العدائية الصادر في نوفمبر 2024»، مشدّداً على «مبادئ سلامة الأراضي والسيادة الكاملة للدولة». فيما أعربت إسرائيل عن «دعمها لنزع سلاح جميع الجماعات غير التابعة للدولة»، مؤكّدة «التزامها بالعمل مع الحكومة اللبنانية لتحقيق هذا الهدف».
فيما برز تطور ملفت تمثل بإيفاد رئيس مجلس النواب نبيه بري معاونه السياسي النائب علي حسن خليل إلى السعودية على وقع لقاء واشنطن، قدّرت مصادر ديبلوماسية عبر «الجمهورية»، أنّ الدولة اللبنانية تقف اليوم في مواجهة معضلة وجودية غير مسبوقة. فحكومة بنيامين نتنياهو ترفض أي وقف لإطلاق النار بالتزامن مع انطلاق المفاوضات. وهذا ما يترجم استراتيجيتها «التفاوض تحت النار» التي أعلنت عنها صراحة، والتي تهدف إلى عزل المسار السياسي للدولة اللبنانية عن الواقع الميداني لـ«حزب الله». وفيما تركيز إسرائيل ينصبّ على التوصل لاتفاق سلام وتفكيك بنية «حزب الله»، برز طرح وزير الأمن القومي الإسرائيلي رون ديرمر ليزيد المشهد تعقيداً، من خلال اقتراحه تقسيم الجغرافيا اللبنانية إلى ثلاث مناطق أمنية، تبدأ بشريط بعمق 8 كيلومترات يخضع للسيطرة الإسرائيلية الكاملة، تتبعه منطقة انتشار للجيش اللبناني، وصولاً إلى العمق اللبناني حيث تُطالب الدولة بتنفيذ عملية نزع سلاح «حزب الله» كاملاً. والخطورة في هذا الطرح تكمن في جعل الانسحاب الإسرائيلي من الحافة الأمامية مشروطاً بنجاح الدولة اللبنانية في مهمّة نزع السلاح التي عجزت عنها آلة الحرب الإسرائيلية نفسها لسنوات طويلة.
وهذا المسار، وفق المصادر، يضع القرار الرسمي في بيروت بين خيارين صعبين جداً بسبب رفض «حزب الله» التخلّي عن السلاح: فإما القبول بالأمر الواقع الذي يعني خسارة الجنوب لمصلحة احتلال مقنّع بمنطقة عازلة دائمة إلى أجل غير مسمّى، وإما الاستجابة للشرط الإسرائيلي بالصدام المباشر مع «حزب الله»، وهو ما يعني إمكان دفع البلد إلى صدام داخلي. ولذلك، الحل يكون بتوافق داخلي يشكّل مظلة لمواجهة الطرح الإسرائيلي.
بيان مشترك
وأعلنت وزارة الخارجية الأميركية في بيان تفاصيل الاجتماع التمهيدي عن محادثات بين لبنان وإسرائيل في واشنطن جاء فيه: «عقدت وزارة الخارجية الأميركية اجتماعاً ثلاثياً في 14 نيسان 2026، بمشاركة وزير الخارجية ماركو روبيو، والمستشار مايكل نيدهام، وسفير الولايات المتحدة لدى لبنان ميشال عيسى، وسفير إسرائيل لدى الولايات المتحدة يحيئيل لايتر، وسفيرة لبنان لدى الولايات المتحدة ندى حمادة معوّض. وشكّل هذا الاجتماع أول تواصل رفيع المستوى واسع النطاق بين حكومتي إسرائيل ولبنان منذ عام 1993. وبحث المشاركون بصورة بنّاءة في خطوات إطلاق مفاوضات مباشرة بين إسرائيل ولبنان. وهنأت الولايات المتحدة البلدين على هذه الخطوة التاريخية، وأعربت عن دعمها لمواصلة المحادثات، وكذلك لخطط الحكومة لاستعادة احتكار استخدام القوة وإنهاء النفوذ الإيراني المفرط. كما أعربت واشنطن عن أملها في أن تتجاوز المحادثات نطاق اتفاق 2024، وأن تفضي إلى اتفاق سلام شامل. وأكّدت الولايات المتحدة دعمها لحق إسرائيل في الدفاع عن نفسها في مواجهة الهجمات المستمرة لـ«حزب الله». وشدّدت على أنّ أي اتفاق لوقف الأعمال العدائية يجب أن يتمّ التوصل إليه بين الحكومتين، بوساطة أميركية، لا عبر أي مسار منفصل. كما أوضحت أنّ هذه المفاوضات قد تفتح الباب أمام مساعدات كبيرة لإعادة الإعمار والتعافي الاقتصادي في لبنان، وتوسيع فرص الاستثمار لكلا البلدين.
وأعربت إسرائيل عن دعمها لنزع سلاح جميع الجماعات غير التابعة للدولة، وتفكيك كل البنى التحتية لها في لبنان، مؤكّدة التزامها بالعمل مع الحكومة اللبنانية لتحقيق هذا الهدف، بما يضمن أمن شعبي البلدين. كما أكّدت إسرائيل التزامها بالانخراط في مفاوضات مباشرة لتسوية جميع القضايا العالقة والتوصل إلى سلام دائم يعزز الأمن والاستقرار والازدهار في المنطقة. من جانبه، جدّد لبنان التأكيد على الحاجة الملحّة إلى التنفيذ الكامل لإعلان وقف الأعمال العدائية الصادر في نوفمبر 2024، مشدّداً على مبادئ سلامة الأراضي والسيادة الكاملة للدولة، وداعياً في الوقت نفسه إلى وقف إطلاق النار واتخاذ إجراءات ملموسة لمعالجة الأزمة الإنسانية الحادة التي لا يزال البلد يعاني منها نتيجة النزاع المستمر والتخفيف من تداعياتها. واتفقت جميع الأطراف على إطلاق مفاوضات مباشرة في زمان ومكان يتمّ التوافق عليهما».
إجتماع تمهيدي
وأعلنت سفيرة لبنان في واشنطن ندى معوّض، أنّ اجتماع المحادثات اللبنانيّة- الإسرائيليّة كان اجتماعاً تمهيديّاً جيداً. وقالت: «أكّدتُ مجددًا للحاجة المُلحّة للتنفيذ الكامل لاتفاق وقف الأعمال العدائية لشهر تشرين الثاني 2024». وأضافت: «شدّدتُ على سلامة أراضينا وسيادة الدولة الكاملة على كل الأراضي اللبنانية. ودعوت إلى وقف إطلاق النار وعودة النازحين إلى بيوتهم، وكذلك دعوتُ إلى اتخاذ خطوات عملية للتخفيف من الأزمة الإنسانية الحادة التي لا يزال البلد يعاني منها نتيجة النزاع المستمر. وسيُعلَن عن موعد ومكان الاجتماع المقبل في وقت لاحق». وشكرت للجانب الأميركي «استضافته لهذا الاجتماع وتيسيره للمحادثات».
لايتر
وأكّد السفير الإسرائيلي يحيئيل لايتر بعد انتهاء الاجتماع، أنّ إسرائيل تواجه دفعات متواصلة من الصواريخ والهجمات العابرة للحدود، وأشار إلى «أنّ النقاش شمل الأمور البعيدة المدى»، موضحاً أنّ حماية المدنيين ليست موضوع تفاوض، وأنّ هذا الموقف تمّ تفهمّه بالكامل من قبل حكومة الرئيس جوزاف عون». وأضاف: «إنّ الحكومة اللبنانية أكّدت رفضها لأي سيطرة لحزب الله»، واصفاً هذا الموقف بأنّه «بداية معركة قوية ضدّ الحزب»، الذي وصفه بأنّه «في أصعب حالاته». وأكّد «أنّ إسرائيل ستواصل مع لبنان جهود التصدّي لما وصفه بوكيل إيران في المنطقة». وقال لايتر: «إنّ الطرفين متفقان على تحرير لبنان من سيطرة «حزب الله»، وإنّ الحكومة اللبنانية أوضحت أنّها لن تبقى تحت احتلال الحزب، وهي تتحلّى بالشجاعة في معركتها ضدّ الحزب». معتبراً «أنّ لبنان أمام فرصة حقيقية بعد تراجع قوة إيران وحزب الله». ومشيراً إلى «أنّ المحادثات مع لبنان ستستمر في المرحلة المقبلة»، مؤكّداً «أنّ إيران تمثل تأثيراً خبيثاً في المنطقة والعالم، وأنّ التعاون مع لبنان يهدف إلى مواجهتها ومنع توسع نفوذها في المستقبل».
وكانت المفاوضات بين معوض ولايتر في مقر وزارة الخارجية الأميركية في حضور وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو، وسبقها اتصال بين رئيس الجمهورية جوزاف عون والسفيرة معوّض، أبلغ اليها تعليماته في ما يتعلق بموقف لبنان المشدّد على التوصل لوقف إطلاق النار. وأُفيد انّه لم تكن هناك أي مصافحة بين معوض والسفير الإسرائيلي بل التُقطت فقط صورة تذكارية.
ووصف روبيو المفاوضات بين لبنان وإسرائيل بأنّها «فرصة تاريخية»، مشيراً إلى أنّ هذه الجهود تأتي في ظل «عقود من التاريخ والتعقيدات» التي تحكم العلاقة بين الطرفين. وقال روبيو: «يشرفنا جداً أن ينضمّ إلينا ممثلون عن دولتين ترغب الولايات المتحدة في إقامة علاقات قوية معهما، بل وتتمتع بالفعل بعلاقات متينة معهما. ومن الواضح أننا سعداء جداً بالاضطلاع بهذا الدور التيسيري. ونحن ندرك أننا نتعامل مع إرث تاريخي يمتد لعقود، ومع تعقيدات جمّة قادتنا إلى هذه اللحظة الفريدة وإلى هذه الفرصة المتاحة هنا. وأعلم أنّ بعضكم يوجه أسئلة بصوت عالٍ حول وقف إطلاق النار؛ ولكن الأمر هنا يتجاوز ذلك بكثير. فالهدف هو وضع حدّ نهائي لنفوذ «حزب الله» الذي استمر لعشرين أو ثلاثين عاماً في هذا الجزء من العالم. ولا يقتصر الضرر الناجم عن ذلك على ما يلحق بإسرائيل فحسب، بل يشمل أيضاً الضرر الذي يلحق بلبنان. إذ يتعيّن علينا أن نتذكر أنّ الشعب اللبناني هو ضحية لـ«حزب الله»، وضحية للعدوان الإيراني. وهذا الوضع يجب أن يتوقف. ولذا، فإنّ أملنا هنا، وأنا أدرك تماماً أنّ الأمر سيمضي كعملية متدرجة، هو أن لا يتمّ حل كافة تعقيدات هذا الملف خلال الساعات الست المقبلة؛ ولكن يمكننا البدء في المضي قدماً نحو وضع الإطار الذي يتيح تحقيق إنجاز ما، إنجاز إيجابي للغاية ودائم، لكي ينعم الشعب اللبناني بالمستقبل الذي يستحقه، ولكي يتمكن الشعب الإسرائيلي من العيش بلا خوف من التعرّض لهجمات صاروخية تشنها جماعة إرهابية تعمل بالوكالة لمصلحة إيران. إذاً، هذا هو الأمل الذي يحدونا هنا اليوم. وهذا هو المسار الذي بدأنا العمل عليه. ويشاركنا في هذا المسعى أشخاص متميّزون سيكونون، بلا شك، في وضع يسمح لهم بنقل نتائج هذه المحادثات إلى عواصم بلدانهم المعنية. ولكن تذكروا أنّ هذه عملية مستمرة، وليست مجرد حدث عابر؛ فهي تتجاوز نطاق يوم واحد. إنّها مسألة ستستغرق وقتاً، غير أننا نؤمن بأنّ هذا المسعى يستحق كل الجهد المبذول فيه. إنّه تجمّع تاريخي نأمل أن نبني عليه للمضي قدماً. ويتمثل الأمل اليوم في أن نتمكن من رسم ملامح الإطار الذي يمكن من خلاله إرساء سلام دائم ومستقر، لكي يتمكن الشعب الإسرائيلي، كما ذكرت آنفاً، من العيش في سلام، ولكي ينعم الشعب اللبناني ليس بالسلام فحسب، بل أيضاً بالازدهار والأمن اللذين يستحقهما».
وإلى ذلك، أكّد مسؤول في وزارة الخارجية الأميركية أنّ «لا توجد أي صلة بين المفاوضات الجارية بين الولايات المتحدة وإيران في إسلام آباد والمحادثات بين إسرائيل ولبنان»، في إشارة إلى الفصل بين المسارين الديبلوماسيين. وأضاف المسؤول، أنّ إيران «جرّت الشعب اللبناني إلى حرب، ولا يمكنها الادعاء بأنّها تحمي لبنان»، معتبراً أنّ «حزب الله» «منظمة إرهابية لا تستحق أن يكون لها مكان، ويجب نزع سلاحها بالكامل»، مؤكّداً أنّ الولايات المتحدة تدعم هذا الهدف. وقال إنّ إيران «لن يُسمح لها بعد الآن بفرض رؤيتها على مستقبل لبنان»، مشيراً إلى أنّ المحادثات المباشرة الجارية اليوم بين إسرائيل ولبنان في مقر وزارة الخارجية الأميركية تأتي «في إطار هذا المسعى».
«حزب الله»
إلى ذلك، قال عضو المجلس السياسي في «حزب الله» وفيق صفا، إنّ الحزب لن يلتزم بأي اتفاقات قد تنتج عن المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل. وقال صفا، في مقابلة مع وكالة «أسوشييتد برس» الأميركية: «بالنسبة لنتائج هذا التفاوض بين لبنان والعدو الإسرائيلي، فنحن غير مهتمين بها إطلاقاً ولا تعنينا»، مضيفاً: «لسنا ملزمين بما يتفقون عليه»، وذلك في مقابلة نادرة مع وسائل إعلام دولية.



