بين المطرقة والسندان: أزمة البسطات في طرابلس على وقع الانهيار

كتب عبد الرزاق الأدهمي لقلم سياسي،
في مشهد يتكرر بألم في مدينة طرابلس، تتصادم صورتان قاسيتان: من جهة، أجهزة أمنية وبلدية تسعى لفرض النظام وإزالة البسطات العشوائية، ومن جهة أخرى، عائلات فقيرة ترى في هذه البسطة الوحيدة مصدر رزقها الوحيد في زمن انهارت فيه كل المقومات.
طرابلس، عاصمة الفقر اللبناني، تعيش أسوأ أزماتها. والمواطنون هناك، وخصوصاً أصحاب البسطات، هم الضحايا الأبرز لسياسات لا تراعي الظروف الاستثنائية. ففي وقت تشتعل فيه الحروب جنوباً ويهتز الاقتصاد من أساسه، ويفقد آلاف اللبنانيين وظائفهم ومدخراتهم، تأتي حملات الإزالة وكأنها تعلن حرباً أخرى على الفقراء.
السؤال الذي يطرح نفسه بقسوة: لماذا الآن؟ أليس من الأجدى تأجيل هذه الإجراءات إلى حين استقرار الأوضاع؟ أليس من الإنسانية التخفيف لا التضييق على من فقدوا كل شيء؟
نعم، للنظام العام وللمدينة هيبتها، لكن لا يمكن تطبيق القوانين بطريقة تتجاهل فيه أن أصحاب هذه البسطات ليسوا تجاراً كباراً، بل أناساً يبحثون عن قوت يومهم. تدمير بسطة قد يعني تدمير مستقبل أسرة كاملة، وحرمان أطفال من لقمة العيش.
المنطق الإنساني والعدالة الاجتماعية يفرضان على البلدية والأجهزة الأمنية أن تتعامل مع هذا الملف بروية وحكمة. البديل موجود: تنظيم البسطات بدلاً من إزالتها، تأمين أماكن بديلة، منح مهلة زمنية حتى تمر العاصفة، والأهم، وضع خطة إنمائية حقيقية تعالج الأسباب الجذرية للفقر في طرابلس.
لبنان يمر بأصعب مراحله. الفقراء ليسوا بحاجة إلى المزيد من الكوارث، بل إلى رحمة وعطف وحلول جذرية. كفى تدميراً لعائلات لم يعد يربطها بهذه الحياة إلا أمل ضئيل بغد أفضل.



