
وضع لبنان مربك ومأزوم حتى العظم، ينوء من جهة تحت ضغط العدوان الإسرائيلي الظاهرة، ومن جهة ثانية بما بدأت تفرزه تناقضات الداخل وانقساماته من توترات خطيرة. وأمّا إقليمياً، فباقٍ أسبوعان من فترة الأربعة إلى ستة أسابيع التي حدّدها الرئيس الأميركي دونالد ترامب لإنهاء الحرب وإعلان الانتصار الحاسم على إيران. إلّا أنّ وقائع الميدان العسكري، تشي بأنّ هذه الحرب، علقت في مضيق ضيّق، بدّل مسارها من العناوين والأهداف الكبرى، إلى كيفية الخروج منه، ورفع قبضة إيران عن «مضيق هرمز»، سواء عبر مسار حربي كبير يُخضِع إيران، أو عبر مسار العودة إلى طاولة المفاوضات لصياغة حل ينهي الحرب. وفي هذَين المسارَين الباب مشرَّع على احتمالات وسيناريوهات مجهولة وربما مفاجآت. ولعلّ أخطر ما استجدّ في أجواء هذه الحرب المخاوف التي عبّر عنها رئيس الوزراء الروسي ديميتري ميديديف حول «أنّ الصراع النووي بين إسرائيل وإيران بات حتمياً».
مواجهات عنيفة
داخلياً، في الميدان العسكري، عنف متصاعد في المناطق الجنوبية بين مقاتلي «حزب الله» والجيش الإسرائيلي الذي يحاول التوغل إلى داخل القرى المحاذية للخط الحدودي، تحت غطاء كثيف من القصف وغارات الطيران الحربي والمسيَّر على طول الخط الممتد من الناقورة وحتى القطاع الشرقي، وبالتزامن مع استهدافات واعتداءات في العمق اللبناني، طالت فجر أمس منطقة تحويطة الغدير في برج البراجنة في الضاحية الجنوبية، ما أدّى إلى سقوط شهيدَين، تردَّدت معلومات بأنّهما عنصران من «حزب الله». كذلك استهدفتها بعد ظهر ومساء أمس، حيث كان البارز أمس إعلان «حزب الله» أنّه تصدّى للطائرات المغيرة بصواريخ أرض-جو. وفي موازاة ذلك، أعلن الحزب عن صَدّ سلسلة محاولات توغل قام بها الجيش الإسرائيلي، ونفّذ عشرات العمليات ضدّ المستوطنات ومواقع الجيش الإسرائيلي وقواعده في العمق الإسرائيلي، وتمكن من تدمير عدد من الآليات ودبابات الميركافا.
لا مبادرات
وعلى صعيد المسار السياسي، أكّد مصدر سياسي مسؤول لـ«الجمهورية»، أنّ «لا وجود حتى الآن لأي مبادرات جدّية لتبريد جبهة لبنان ووقف الاعتداءات الإسرائيلية من أي جهة خارجية، ما خلا اتصالات مضمونها استطلاعي لا أكثر». مضيفاً: «حتى «الميكانيزم» في هذه المرحلة، منكفئة عن أي دور أو أي اتصالات، وأكاد أقول إنّها غائبة عن السمع».
ورداً على سؤال عمّا تردَّد عن زيارة قريبة لوزيرة الدفاع الفرنسية إلى بيروت، أوضح: «الفرنسيّون حاضرون بزخم على خط التواصل مع المسؤولين اللبنانيِّين، وقد أُبلغنا بإيفاد مسؤول فرنسي إلى لبنان، لكن ذلك لا يعني أنّ زيارته تندرج في سياق مبادرة فرنسية أو طرح فرنسي، موازٍ أو مكمّل للمسعى الذي قاده الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في بداية الحرب، الذي أحبطته إسرائيل، ولم يحظَ بالدعم المطلوب من الولايات المتحدة الأميركية».
والحال نفسه، يُضيف المصدر عينه، «ينطبق على الحراك المصري الذي قاده وزير الخارجية المصرية بدر عبد العاطي، الذي عبّر عن عاطفة بلاده تجاه لبنان ووقوفها إلى جانبه، متبنِّياً موقف لبنان لجهة الوقف الفوري للإعتداءات الإسرائيلية والتزام كل الأطراف بمندرجات القرار 1701». وأكّد أنّ «مصر تسعى إلى فتح ثغرة في الجدار لترسيخ الأمن والاستقرار، وأنّ مصر على تواصل مع الأميركيين لتحقيق هذه الغاية، لكن لا نرى في الأفق أي مؤشرات مشجّعة».
وكانت الخارجية المصرية قد أعلنت أمس، أنّ وزير الخارجية المصري أطلع وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو في اتصال هاتفي معه على نتائج زيارته إلى بيروت، وأكّد على «ضرورة الوقف الفوري للتصعيد والاعتداءات الإسرائيلية على لبنان»، معرباً عن «رفض مصر القاطع بالمساس بسيادته ووحدة وسلامة أراضيه، أو استهداف البني التحتية المدنية». وركّز على «أهمّية تمكين مؤسسات الدولة والتنفيذ الكامل وغير الانتقائي لقرار مجلس الأمن رقم 1701، ودعم جهود الدولة اللبنانية في حصر السلاح وفرض سلطاتها وسيادتها على الأراضي اللبنانية كافة».
عقدة معقّدة
وأمّا على المستوى السياسي، فالصورة لا تبدو أفضل، إذ ثمة سحابة كثيفة من الغيوم الداكنة تسود العلاقات بين مختلف المستويات، وما جرى من اتصالات على أكثر من خط داخلي سياسي أو رسمي، لم تنجح في تنقية الأجواء ممّا أصابها بعد قرار اعتبار السفير الإيراني محمد رضا شيباني شخصاً غير مرغوب فيه وإمهاله حتى يوم الأحد (غداً) لمغادرة لبنان، بل تحوّل هذا القرار إلى عقدة معقّدة، يحوطها انقسام داخلي عميق حولها، مفتوح على احتمالات وتداعيات، ولاسيما أنّ المهلة المحدَّدة للسفير بالمغادرة تنتهي غداً الأحد، في ظل إصرار حكومي على المضي بهذا القرار، في موازاة اعتراض شيعي واسع عليه، ولا سيما من قِبل «حركة أمل» و«حزب الله» والمجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، الذي اقترن برفض مغادرة السفير، ومطالبة الحكومة بالعودة عن قرار الإبعاد.
وإذا كانت جلسة مجلس الوزراء التي انعقدت في السراي الحكومي في غياب وزراء ثنائي «أمل» والحزب، ومن دون أن تقارب قرار وزارة الخارجية، فإنّ ذلك لا يعني طيّ الصفحة، وخصوصاً أنّ الأجواء المحيطة بهذه المسألة تشي بتدحرجها إلى تعقيد أكبر فيما لو انقضت المهلة، وتجاوز السفير الإيراني قرار إبعاده ولم يغادر.
وفي هذا السياق، يؤكّد عاملون على خط الاتصالات حول هذه القضية لـ«الجمهورية»، أنّه «حتى الآن، لا توجد أيّ مخارج، والاتصالات التي جرت تصطدم بحائط مسدود»، وأقرّ هؤلاء بأنّه «بمعزل عن الإعتبارات التي أملت اتخاذ هذا القرار من قِبل وزارة الخارجية، أو الإعتراضات التي قابلته، فإنّنا أمام مشكلة كبيرة يزيدها الانقسام الداخلي استعصاء، فالعودة عن القرار مشكلة لها تداعياتها على الوضع الحكومي، وخصوصاً أنّ لا حل وسطاً بين الحالَين. لأنّ العودة عنه قد تدفع وزراء «القوات اللبنانية»، وربما غيرهم أيضاً، إلى مقاطعة الحكومة أو الاستقالة منها، وكذلك الإبقاء على القرار مشكلة لها تداعياتها أيضاً على الوضع الحكومي، إذ إنّ وزراء «الثنائي» قد يتدرّجون في موقفهم من مقاطعة الحكومة على ما جرى مع الجلسة الأخيرة لمجلس الوزراء، إلى الإستقالة منها، ويعني ذلك أنّ كل الاحتمالات واردة».
وفيما أكّد مصدر وزاري رداً على سؤال لـ«الجمهورية» أنّه «لا توجد أيّ مؤشرات للعودة عن قرار طرد السفير الإيراني»، مقلِّلاً «من تأثير مقاطعة أو استقالة وزراء «الثنائي» على الحكومة، فثمة سابقة حصلت في ظل حكومة الرئيس فؤاد السنيورة في العام 2006، حين استقال وزراؤهم واستمرَّت الحكومة من دونهم»، نقل عن مسؤول كبير قوله: «إنّ الأحد لناظره قريب. موقفنا قلناه، ودعونا ننتظر، فكلّ أوان لا يستحي من أوانه».
وفي سياق متصل، أعلن وزير التنمية الإدارية فادي مكّي في حديث صحافي «أنّ اتصالاً هاتفياً حصل بيني وبين رئيس مجلس النواب نبيه بري، وتمنّى عليه عدم حضور جلسة مجلس الوزراء أمس، لكنّي لم أعده بذلك». مضيفاً: «قبل دخولي إلى الجلسة، أبلغتُ مستشار بري بأنّي سأحضر الجلسة، كما حصلتُ على تعهّد من رئيسَي الجمهورية والحكومة بعدم إثارة ملف طرد السفير الإيراني من لبنان خلال جلسة مجلس الوزراء»، مشيراً إلى أنّ «الجلسة لم تتخذ أي قرارات مصيرية تحتاج إلى الميثاقية، بل كانت تعالِج أمور المواطنين».
واستقبل رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون في القصر الجمهوري في بعبدا أمس، الوزير مكّي الذي أكّد بعد اللقاء أنّ «المرحلة تفرض التضامن الداخلي وتعزيز حضور الدولة وتغليب المسؤولية الوطنية». مشيراً إلى أنّ «الأولوية اليوم لمواجهة العدوان الإسرائيلي المستمر، واحتضان النازحين، وتكثيف كافة الجهود لوقف الحرب، مع تأكيد السلم الأهلي والحوار الداخلي. لا خيار لنا إلّا الدولة ومؤسساتها الشرعية، ولبنان اليوم بأمسّ الحاجة إلى قرارات توحّد ولا تفرِّق»، معبِّراً عن ثقته «الكاملة بما يقوم به رئيس الجمهورية، بالتنسيق مع رئيس مجلس النواب ورئيس مجلس الوزراء».
بري وعراقجي
إلى ذلك، أصدرت وزارة الخارجية الإيرانية بياناً أكّدت فيه موقفها «الثابت في دعم سيادة لبنان وسلامة أراضيه، في ظل تداعيات العدوان على إيران والاعتداءات الواسعة للكيان المحتل».
وأشار البيان إلى «تقدير إيران لمواقف رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري في دعم الوحدة الوطنية، مؤكّداً أنّ تعزيز التماسك الداخلي للبنان يُعدّ ضرورة ملحّة لمواجهة مؤامرات الأطراف الخارجية».
كما أعاد البيان «التشديد على ما أشار إليه الرئيس بري من أنّ الهدف الأساسي للكيان المحتل يتمثل في تدمير البُنية التحتية الحيوية في لبنان وتهجير المواطنين قسرياً من مناطقهم». كما أكّد عراقجي وبري خلال الاتصال الهاتفي «أهمّية تعزيز وتطوير العلاقات بين البلدَين».
هيكل: حذارِ الشائعات
في سياق متصل، تَفَقَّدَ قائد الجيش العماد رودولف هيكل عدداً من الوحدات في بيروت وصيدا، واطّلع على التدابير الأمنية المتخَذة في القطاعات لتنفيذ مسؤوليّتها. وتوجّه إلى العسكريِّين مشدِّداً على «ضرورة الحفاظ على الجهوزية لمنع الإخلال بالأمن، والحزم في وجه أي محاولة للمساس بالاستقرار الداخلي»، وأكّد أنّه «على رغم من الشائعات وحملات التحريض التي تسعى إلى التقليل من شأن تضحيات العسكريِّين وجهودهم، لن يتوانى الجيش عن تَحمُّل مسؤولياته الوطنية»، لافتاً إلى أنّه «ينبغي للعسكريِّين ألّا يتأثروا بهذه الشائعات، وأن يتمسكوا بعقيدتهم ويلتزموا بأداء واجبهم الوطني».
قلق غربي
في موازاة ذلك، أعرب ديبلوماسي رفيع في سفارة دولة كبرى في لبنان (لا تشارك بلاده بصورة علنية في الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى) عن قلق بالغ إزاء تصاعد وتيرة المواجهات في لبنان»، وأبلغ إلى «الجمهورية» قوله: «موقفنا أكّدناه للمسؤولين في لبنان وإسرائيل، بأنّ هذه الحرب يجب أن تنتهي، وما شهدناه من تصعيد يُرتِّب مخاطر إضافية على المدنيِّين في لبنان وإسرائيل».
وأكّد «إنّنا واثقون من أنّ مصلحة لبنان في إنهاء هذه الحرب، توازيها مصلحة لإسرائيل أيضاً، ونحن نعرف ما يقوله الإسرائيليّون في هذا الإطار. في تقديرنا أنّ الأطراف لا تستطيع أن تستمر في الصراع إلى ما لا نهاية. وفي تقديرنا أيضاً، أنّ ثمة مسارَين في هذا الاتجاه، أكان عبر الالتزام باتفاق وقف الأعمال العدائية الموقَّع بين الجانبَين في تشرين الثاني من العام 2024، أو عبر صيغة تفاهم جديدة تحقق هذا الهدف، ونحن ندعم المسارَين».
ورداً على سؤال عن التهديدات الإسرائيلية بعملية برية واسعة في الجنوب اللبناني، أوضح الديبلوماسي الرفيع عينه: «نحن ضدّ أي عمل يمسّ بسيادة لبنان، نحن لا نحبّذ هذا الأمر، لأنّه سيدفع إلى تصعيد أكبر».
وحول الحرب الدائرة في الإقليم، أكّد: «من الأساس حذّرنا منها، ونراقب مجرياتها لحظة بلحظة، هناك تطوُّرات تتسارع وهجومات تدميرية، الواضح أنّ لكل أطراف هذه الحرب عناصر قوّة كبيرة يستخدمونها إلى أقصى مداها، وما تأكّد خلال الأسبوعَين من الحرب هو أنّ لا إمكانية للحسم من أي جانب». وأوضح «أنّ هناك خططاً وضعت أهدافاً لإسقاط النظام في إيران وإضعاف قدراتها، لا يبدو أنّها تحققت كما رُسِمَت، بل كلّ العالم شهد بوضوح أنّ هذه الحرب ألحقت أضراراً كبرى بجميع الأطراف وكذلك بدول المنطقة وتحديداً دول الخليج، التي تلوح في أفقها أزمات خطيرة». وأضاف: «ربما حجم تلك التداعيات لم يكن مقدَّراً بهذا المستوى الذي بلغه، وزيادة على ذلك، الأزمة العالمية الآخذة بالتفاعل الخطير بتداعيات كبرى على استقرار واقتصاديات الدول على مستوى العالم، جراء إغلاق مضيق هرمز. قد يُقرَأ من هذه التطوُّرات بأنّ المجريات الحربية تنحى في مسار تصعيدي كبير يعزّز فرضية إطالة أمد الحرب، وأنا لا أخرج من حسباني هذا الاحتمال، لكنّني في الوقت نفسه، أميل إلى الإعتقاد بأنّ الأمور قد تنحى في مسار عكسي، لأنّ المفاجآت قد تبرز في أي لحظة».
وعمّا ستؤول إليه الحرب، يؤكّد: «الحرب صعبة، ونحن مقتنغون بأنّه لن يكون هناك «نصر حاسم» فيها، وبالتالي، فإنّ المفاوضات هي ما ستركن إليها الأطراف. ولذلك، فإنّ التقدير الأقرب إلى الواقع، هو انّ واقعاً جديداً سيفرض نفسه بعد هذه الحرب على كل المنطقة، وكل الاطراف محكومة بالتسليم به والتعايش معه. ولهذا الواقع بالتأكيد تأثيرات مباشرة على لبنان».



