محليمقالات

المبادرة الرئاسية تنتظر الردود العربية والدولية… عون: الجيش للجميع وليس لأحد

فيما لبنان ينتظر الردود العملية على المبادرة الرئاسية اللبنانية لوقف الحرب، استمرت إسرائيل في التصعيد الميداني والعسكري، غارات وضربات وإنذارات، توزعت بين الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية لبيروت، متسببة بسقوط مزيد من الشهداء والجرحى، وفي المقابل استمر مقاتلو «حزب الله» في صدّ محاولات إسرائيلية متكرّرة لاجتياح المنطقة الحدودية، وفي دكّ المنطقة الشمالية بصليات صاروخية متتالية. فيما برز حراك لافت للسفير الأميركي ميشال عيسى في اتجاه بعبدا وعين التينة، يُتوقع ان تتبلور نتائجه في أي وقت.

وقالت مصادر سياسية لـ«الجمهورية»، إنّ أخطر ما برز من مؤشرات في اليومين الأخيرين هو التحول الجذري في الاستراتيجية الإسرائيلية نحو التهديد بتحركات ميدانية دراماتيكية. فالتصريحات الصادرة عن تل أبيب لم تعد تكتفي بالتهديد، بل انتقلت إلى مرحلة «نعي التفاوض» مع الحكومة اللبنانية، معلنةً عدم ثقتها في أي حلول ديبلوماسية برعاية دولية. وسرّب الإسرائيليون أنّهم «أخذوا على عاتقهم زمام المبادرة لإنهاء حزب الله»، وهو ما يعني أنّ إسرائيل تجاوزت الدولة اللبنانية كطرف مفاوض وقرّرت الذهاب نحو الأسوأ، فيما عمليات التدمير مستمرة.

وتوحي المؤشرات الميدانية والسياسية، أنّ إسرائيل ربما تكون جدّياً في صدد التحضير لعملية برية واسعة، وانّها لم تعد تكتفي بالغارات الجوية. وهذا ما سيضع الجيش اللبناني والدولة و«حزب الله» على السواء أمام اختبار مصيري، في ظل انقسام داخلي حاد بلغ ذروته بموقف الرئيس جوزاف عون أول من أمس. وهذا ما استدعى مواقف دول عدة، ومنها فرنسا وإسبانيا، للتحذير من مخاطر مغامرة إسرائيل بالتوغل البري.

ووصفت المصادر اللحظة الحالية بـ«الانتظار الثقيل». فبينما تحاول السلطة السياسية شراء الوقت عبر طرح التفاوض والاستعداد لتلبية المطالب بحصر السلاح، تبدو الماكينة العسكرية الإسرائيلية ماضية في مشروعها.

السفير الأميركي

وفي سياق متصل، يُجري السفير الأميركي ميشال عيسى اتصالات بين واشنطن وبيروت لوقف الحرب، وهو زار أمس رئيس الجمهورية جوزاف عون ورئيس مجلس النواب نبيه بري، في وقت نفت مصادر رسمية لـ«الجمهورية» ما يشيعه البعض من انّه نقل موقفاً أميركياً سلبياً من مبادرة رئيس الجمهورية لإنهاء الحرب الإسرائيلية على لبنان.

وأوضحت هذه المصادر، انّ رئيس الجمهورية أبلغ بنود مبادرته إلى عدد من عواصم القرار العربية والدولية، وهو ما زال ينتظر ردودها عليها. واكّدت انّ المسألة ليست في هذه العجالة التي يتخيّلها البعض، فالجهد الديبلوماسي في حالات من هذا النوع يستغرق وقتاً، والتجارب السابقة والقريبة خير دليل إلى ذلك.

وأشارت المصادر إلى انّ الرئيس عون مستاء جداً مما يُشاع من أجواء سلبية في وسائل إعلام وعلى مستوى بعض الأوساط السياسية، يُراد منها إحباط مبادرته، كما انّه مستاء من الحملات التي يتعرّض لها الجيش وقائده العماد رودولف هيكل. ولهذا السبب بادر أمس إلى زيارة وزارة الدفاع وقيادة الجيش في اليرزة، حيث التقى وزير الدفاع الوطني اللواء ميشال منسى، وقال إنّ «الجيش اللبناني مؤسسة وطنية تخدم مصلحة لبنان واللبنانيين، وليس مصلحة أحد، لا الأحزاب، ولا الطوائف، بل مصلحة الوطن، وما تعرّض له الجيش وقائده من حملات غير مبرّرة، لن تترك أي أثر في أداء الجيش، قيادة وعسكريين. وليطمئن من يقف وراء هذه الحملات انّ «سلّتهم رح تكون فاضية».

بعد ذلك انتقل عون ومنسى إلى مقر قيادة الجيش، حيث استقبلهما العماد هيكل في حضور رئيس الأركان العامة اللواء حسان عودة ومدير المخابرات العميد أنطوان قهوجي ومدير مكتب القائد العميد منصور زغيب. وعلى الأثر ترأس الرئيس عون اجتماعاً انضمّ إليه أعضاء المجلس العسكري، ونواب رئيس الأركان، ومديرا المخابرات والتوجيه، وعدد من الضباط الكبار.

وقال عون خلال الاجتماع، انّ «الجيش هو المؤسسة الوطنية الجامعة التي تحظى بثقة اللبنانيين»، منوّهاً بـ«التضحيات التي يقدّمها العسكريون في مختلف الظروف». وأكّد انّ زيارته اليوم تأتي للتعبير عن التضامن الكامل مع الجيش وقيادته، ورفضه الحملات التي تستهدفهما او تشكّك بوطنيتهما، فالجيش ليس طرفاً في التجاذبات السياسية، وحذار من أن يتحول مادة للسجالات الداخلية، ذلك انّ قوة الدولة تبدأ بقوة مؤسساتها وعلى رأسها الجيش». واضاف: «للأسف، انّ الاتهامات التي يتعرّض لها الجيش اليوم هي من أناس غير مسؤولين ولا يملكون اي حسّ وطنيّ، لأنّه لا يمكن لأحد ان يحب لبنان وسيادته ومصلحته وأن يتهجّم على الجيش». وسأل عون اصحاب الاتهام: «ماذا قدّمتم للجيش معنوياً ومادياً؟ تلاحقونه حتى على الرواتب الزهيدة التي يتقاضاها وتعملون على تخفيضها؟». تابع: «أدعو كل من يستسهل اتهام الجيش، إلى أن يجول في الجنوب والعاصمة والجبل والمناطق اللبنانية ليرى الأوضاع التي يعيش فيها الضباط والجنود، والتي يتحمّلونها من اجل وطنهم وأهلهم. انّ بذة الجيش هي بحدّ ذاتها رمز للشرف والوطنية، لذلك زيارتي اليوم هي للقول للمتّهِمين: إنّ اتهاماتكم لا فائدة منها ولا قيمة لها، لأنّ العسكريين متجذرون بالوطنية، ومهما عملتم هناك سدّ منيع لحماية هذه المؤسسة».

وتوجّه عون إلى الحاضرين قائلاً: «لا تتأثروا، ودعوا إنجازاتكم تتحدث عنكم، ما يحصل هو غيمة وستمضي كما غيرها، ومهما تحدثوا عن الجيش، فإنّ الشعب يقف إلى جانبكم ويقدّر جهودكم، لانّه لا يمكن لأي جيش في العالم أن يقوم بما تقومون به في ظل الأوضاع والظروف التي تعيشونها، لأنّه في رأيي، وبعيداً عن العاطفة، ما تؤدونه يفوق الطبيعة، هذا واقع عشته سابقاً وأعيشه اليوم معكم. لا يجب ان يكون هناك من تأثير لكل الحملات عليكم وعلى أدائكم، استمروا في القيام بواجبكم، كما عهدتكم، بضمير وشجاعة، فأنتم أكبر من كل الشائعات التي تطالكم مهما كان مضمونها، وانتم أوفياء للبنان على عكسهم، لانّهم يفضّلون الوفاء لمصالحهم الشخصية، وقد شاهدنا ما حصل في العام 1975، حيث كان الجيش اول مؤسسة تمّ استهدافها. واليوم، إذا كان هذا هو هدف من يستهدفكم، عن قصد او عن غير قصد، فلن يتحقق و«رح تكون سلّتهم فاضية».

وتابع عون: «إذا لا سمح الله، تعرّض الجيش للاهتزاز، فإنّ الوطن بأسره سيتعرّض للخطر. لا تستمعوا إلى من يشكّك بكم ويحاول تضليلكم، وانا سأقف سداً منيعاً عند التعرّض لهذه المؤسسة العسكرية ومن هو على رأسها، ومن يحلم بتغيير قائد الجيش إنما يستهدف المؤسسة العسكرية وليس شخص القائد، وهذا امر ممنوع. وعليكم أن تتمسكوا بتضامنكم ووحدتكم وعملكم بقلب واحد ويد واحدة». وأضاف: «أكرّر ما قلته مرّة خلال أحد لقاءاتي بالضباط: أنتم للشرف عنوان، والتضحية ميدانكم، وانتم الوفاء لكل لبنان». ولفت إلى انّ «الجيش يعمل وفق الدستور والقوانين وقرارات السلطة السياسية، وبالتالي فإنّ تنفيذ قرارات مجلس الوزراء يتمّ وفق الآليات الدستورية والإمكانات المتاحة، رافضاً تحميل الجيش مسؤوليات تتجاوز قدراته».

وشكر العماد هيكل لرئيس الجمهورية زيارته، وشدّد على انّ «الجيش لن يعمل الّا لما فيه مصلحة لبنان واللبنانيين، وسيكون سداً منيعاً في وجه أي فتنة داخلية يمكن ان تحصل». وقال: «نحن على اقتناع بأنّ ثوابت مدرسة الجيش واضحة ولن نحيد عنها، خصوصاً انّ هذه الثوابت تعززت يوم توليتم فخامة الرئيس هذه القيادة».

وكان الرئيس عون التقى بعد ظهر أمس رئيس الحكومة نواف سلام، وأجريا تقييماً للتطورات العسكرية وللإتصالات الجارية بحثاً عن السبل الآيلة إلى وقف العدوان الإسرائيلي على لبنان. وتطرقا إلى المبادرة التي اعلنها أمس الاول الرئيس عون، والتي تهدف إلى وضع حدّ للتصعيد ضدّ لبنان. وتناولا بالبحث الإجراءات التي اتخذتها الحكومة لرعاية أوضاع النازحين، ولتلبية حاجات اللبنانيين في هذه الفترة الدقيقة.

السيسي والشرع

وتلقّى الرئيس عون إتصالاً من الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، الذي أكّد «دعم مصر للبنان حكومة وشعباً وجيشاً، وتضامن الشعب المصري مع الشعب اللبناني الشقيق في المعاناة التي يمرّ فيها». وقال انّ مصر قرّرت إرسال مساعدات إنسانية إلى لبنان لدعم الجهود المبذولة لرعاية شؤون النازحين، الذين إضطروا إلى مغادرة منازلهم بسبب الأعمال الإسرائيلية العدائية.

وتلقّى عون اتصالاً آخر من الرئيس السوري احمد الشرع، تداولا خلاله في التطورات الراهنة في المنطقة. واكّدا انّ الظرف الدقيق الراهن يتطلّب تفعيل التنسيق والتشاور بين البلدين خصوصاً لجهة ضرورة ضبط الحدود ومنع أي تفلت أمني من اي جهة أتى.

وكان عون اتصل بالبطريرك الراعي معزياً باستشهاد كاهن رعية القليعة الاب بيار الراعي «الذي كان مثالاً للصمود ولتمسك الجنوبيين بالبقاء في قراهم وبلداتهم».

وقال الراعي في بيان «إنّ استشهاد كاهنٍ مكرّس لخدمة الله وشعبه، وهو ثابت في رسالته الراعوية إلى جانب المؤمنين في زمن المحنة، يشكّل جرحًا عميقًا في قلب الكنيسة، ويكشف مجددًا المأساة التي يدفع ثمنها الأبرياء في دوامة العنف والحروب التي طالما حذّرنا منها ودعونا الجميع لتحييد وطننا عن مآسيها، والذهاب إلى التفاوض والحوار والديبلوماسية». واضاف: «إننا ندين بشدة كلّ اعتداء يطاول المدنيين ورجال الدين ودور العبادة والمنازل والمؤسسات، وكل شبر من أرض وطننا. ونرى في هذا الحدث المؤلم اعتداءً صارخًا على كرامة الإنسان وعلى قدسية الحياة، ونؤكّد أنّ استمرار منطق الحرب والسلاح لن يجلب للبنان والمنطقة سوى المزيد من القتل والدمار والتشرّد». ودعا «جميع المسؤولين في لبنان والمنطقة والمجتمع الدولي إلى تحمّل مسؤولياتهم التاريخية، والعمل الفوري والجاد لوقف هذه الحرب العبثية التي تهدّد حياة الناس ومستقبل الوطن، خصوصاً أنّ موقف الدولة اللبنانية قد صدر واضحًا بغية تحييد لبنان عن حرب الإسناد لإيران، وقد تفرّد بقرار الاشتراك فيها «حزب الله»، وحتى الساعة نترقّب تنفيذ قرار الدولة والجيش اللبناني لمن غابت عنهم ضوابط الاعتراف بالدولة والقانون».

وختم: «لذلك نجدّد دعوتنا إلى تحييد لبنان عن صراعات المحاور والحروب الإقليمية، حفاظًا على رسالته كأرض لقاء وحوار وسلام. فلبنان لم يُخلق ليكون ساحةً للحروب، بل وطنًا للعيش المشترك ولرسالة الحرية والكرامة الإنسانية».

رؤساء الحكومة

في غضون ذلك، استقبل الرئيس بري رؤساء الحكومة السابقين نجيب ميقاتي، فؤاد السنيورة وتمام سلام، حيث تمّ البحث في تطورات الأوضاع العامة في لبنان، ولا سيما منها السياسية والميدانية، في ضوء مواصلة إسرائيل عدوانها على لبنان، وملف النازحين والتشريد القائم.

وحول الحلول المطروحة، أصرّ الرئيس بري لهذه الجهة على «الميكانيزم» كآلية وإطار لتنفيذ وقف الحرب.

وبعد اللقاء أذاع السنيورة باسم رؤساء الحكومة السابقين بياناً أعلن فيه «إدانة واستنكار جرائم الحرب المستمرة التي ترتكبها إسرائيل ضدّ لبنان واللبنانيين والمتمثلة بالقصف والقتل والتنكيل، والتدمير الهمجي، بما في ذلك الإنذارات المتكرّرة للبنانيين المقيمين في الجنوب ولسكان الضاحية الجنوبية لمدينة بيروت لتهجيرهم قسرياً إلى مناطق أخرى، وذلك تنفيذاً لما تعلنه إسرائيل من خطة لاجتياح أجزاء إضافية من لبنان». واضاف: «عبّرنا عن تعازينا بالشهداء الأبرياء وعن مواساتنا للجرحى والمصابين الذين سقطوا نتيجة الزجّ بهم في حرب لا دخل لهم بها. كما أعلنا عن تضامننا مع اللبنانيين الذين خسروا جنى عمرهم وأُجبروا على النزوح قسراً من منازلهم وقراهم وبلداتهم، وحيث باتوا يعانون الأمرّين».

وأكّد البيان «أهمية الحرص على تضامن جميع اللبنانيين مع أهلنا الصامدين في الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية لبيروت، وفي أهمية تعزيز الجهود لتقديم العون والمؤازرة للتخفيف من معاناة من أجبرهم العدوان الإسرائيلي على النزوح عن منازلهم وقراهم وبلداتهم». وأعلن البيان «تأييدنا لقرارات الحكومة لجهة حصرية قرار الحرب والسلم. وتطبيق حصرية السلاح بيد الدولة اللبنانية على جميع أراضي الوطن». وأعلن «دعمنا الكامل للجهود التي يقوم بها فخامة الرئيس جوزاف عون ورئيس الحكومة نواف سلام وبتأييد من دولة الرئيس نبيه بري لدى جميع المراجع الدولية، الدول الصديقة والشقيقة، لوقف العدوان الإسرائيلي على لبنان، ومن ذلك تأييدنا للمبادرة الجديدة التي أطلقها الرئيس عون في الإجتماع الإفتراضي الذي نظّمه بعد ظهر البارحة رئيس المجلس الأوروبي ورئيسة المفوضية الأوروبية».

الموقف الإسرائيلي

من جهة ثانية، شدّد وزير الخارجية الإسرائيلية جدعون ساعر على «أنّ إضعاف «حزب الله» يشكّل مصلحة مشتركة لكل من إسرائيل ولبنان».

وأشار خلال لقائه مبعوثة الأمم المتحدة إلى لبنان، جانين هينيس-بلاسخارت، إلى «أنّ حزب الله انضمّ إلى الحرب نتيجة ضغط إيراني، كما انضمّ إلى الهجوم على إسرائيل في 8 من تشرين الاول 2023». وقال: «إنّ الهجمات التي انطلقت ضدّ إسرائيل من الأراضي اللبنانية خلال الأسبوع الأخير كانت أكثر من تلك التي انطلقت من الأراضي الإيرانية». وأضاف: «إنّ إسرائيل قرّرت هذه المرّة عدم إجلاء سكانها من بلدات الشمال، وأنّها ملتزمة بالقيام بكل ما يلزم من أجل حمايتهم». وأكّد «أنّ انتشار الجيش الإسرائيلي في منطقة الحدود أمر ضروري لمنع توغل قوات برية تابعة لحزب الله وإطلاق النار نحو المدنيين والبلدات الإسرائيلية».

المصدر
الجمهورية

Top-rated team

Best Development Company in Lebanon

iPublish Development delivers high-performance web development, social media marketing, and Instagram management to grow your brand with measurable results.

Explore iPublish Development
Fast delivery Modern stack Growth-focused

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى