محليمقالات

طارت الانتخابات وقرار التمديد مسألة أيام… لبنان في مرمى العدوان وتحذير من طوابير خامسة

باتت الكلمة للميدان الحربي، وتسارع العمليات العسكرية في المنطقة الحدودية، واتساع رقعة الإعتداءات الإسرائيلية في العمق اللبناني وتركيز استهدافها بصورة متواصلة على الضاحية الجنوبية، تشي بتفلّت عدواني مفتوح على منحدرات ومنزلقات بالغة الخطورة على لبنان، بدأت نذرها تطل برأسها من تفريغ إسرائيل لمنطقة جنوب الليطاني من سكانها وجعلها خالية من الحياة، تمهيداً لفرض أمر واقع جديد في تلك المنطقة تحت مسمّى «المنطقة العازلة»، على غرار ما كان قائماً أيام الاحتلال الإسرائيلي قبل العام 2000.

في موازاة الصورة المأساوية لعشرات ضحايا الإعتداءات الإسرائيلية من المدنيِّين في العديد من المناطق اللبنانية، مشهد داخلي مربك، جراء حرب نفسية يشنّها «مجهولون» على اللبنانيِّين، بـ«اتصالات مشبوهة» تهدّد بالإستهداف لبنى مدنية ومؤسسات رسمية وتدعو إلى إخلائها، ما أشاع حالاً من الذعر في غير منطقة، وتبعاً لذلك، أُخلِيَ مبنى قصر العدل في بعبدا، ومبنى وزارة الاقتصاد بعد ورود اتصال تهديد لمبنى مجاور لها، وكذلك أُخلِيَت تعاونية موظفي الدولة بعد ورود اتصال تهديد لأحد الموظفين. وإزاء هذا الأمر حذّر مرجع أمني عبر «الجمهورية» من وجود طوابير خامسة تشيع الخوف في نفوس الناس، مؤكّداً أنّ «الأجهزة الأمنية والعسكرية على اختلافها مستنفرة بأقصى طاقاتها لمواجهة الغرف السوداء التي تُسمِّم الأجواء، وكشف هوية الطوابير وملاحقة مشغليها».

الملف الإنتخابي

على صعيد سياسي آخر، وعلى رغم من تجنّب الحديث العلني في الوقت الراهن عن الملف الانتخابي، فإنّه يفرض نفسه بنداً أساسياً في الكواليس السياسية والرسمية، وخصوصاً أنّ الوقت، وكذلك التطوّرات الأمنية التي استجدّت في الأيام الأخيرة، يبدو أنّها قد بدأت تداهمه بصورة عكسية، وترسم في الأجواء احتمال تأجيل الانتخابات المقرَّرة في العاشر من أيار الجاري.

وربطاً بالمستجدات الأمنية، بالإضافة إلى الضرورات السياسية التي فرضت نفسها في صدارة أولويات المرحلة الراهنة، أوفد رئيس الجمهورية مستشاره أندريه حداد إلى عين التينة، حيث التقى رئيس المجلس النيابي نبيه بري. والأجواء تُفيد بأنّ المستويات الرئاسية جميعها تستشعر مستوى عالياً من الخطر على لبنان في هذه المرحلة، وتتقاطع على أولوية الإستقرار الداخلي وانتظام المؤسسات الرسمية والدستورية، ما يوجب أعلى درجات التوحّد والتضامن الداخلي في مواجهة المخاطر التي تتهدّدنا جميعاً. فيما ينعقد مجلس الوزراء في السراي الحكومي اليوم لمواكبة التطوّرات.

ما استنفر الداخل على كل مستوياته، هو أنّ التطوّرات الأمنية وتزايد الإعتداءات الإسرائيلية، جاءت في الوقت الحرج انتخابياً، وعلى مسافة أيام قليلة من انتهاء مهلة الترشيحات للإنتخابات التي تنتهي في العاشر من آذار، أي بعد 5 أيام، وهي فترة في ظل التطوّرات المستجدة باتت فترة ميّتة، ربطاً بالظروف الأمنية والمخاطر المحدقة بالداخل والمخاوف التي تحول دون إتمام عملية الترشيح بصورة طبيعية.

وتبعاً لذلك، فإنّ الكرة انتقلت تلقائياً من وزارة الداخلية التي ليس لها صلاحية تمديد المُهَل المنصوص عليها في القانون الانتخابي النافذ، الذي يُحدِّد إقفال باب الترشيح قبل 60 يوماً من موعد الانتخابات، إلى المجلس النيابي، فليس هناك سبيل لتدارك الأمر الانتخابي، سوى بتعديل المهل، ما يوجب انعقاد المجلس النيابي في جلسة تشريعية لهذه الغاية.

على أنّ الظروف الأمنية التي ترخي بثقلها على الواقع الداخلي، باتت تغلّب التوجّه، ليس إلى تعديل مهلة إقفال باب الترشيح وما يتصل بتشكيل اللوائح الانتخابية، بل إلى التمديد للمجلس النيابي. وتشير مصادر مواكبة لـ«الجمهورية»، إلى أنّ النقاش جدّي على أكثر من صعيد سياسي ونيابي حول هذا الأمر، ويقارب التمديد للمجلس النيابي كأمر واقع لا بُدّ منه في هذه الظروف المفتوحة على وقائع مجهولة، وأمّا فترة التمديد فتتراوح بين سنة أو سنتَين، وثمة أفكار أخرى بتمديد لأطول من سنتَين.

وربطاً بهذا الأمر، تعقد كتلة «التنمية والتحرير» التي يرأسها الرئيس نبيه بري اجتماعاً اليوم، ورجّحت مصادر موثوقة أن يليها اجتماع قريب لهيئة مكتب مجلس النواب، الذي يُمهِّد للدعوة لجلسة تشريعية لإقرار التمديد، ربما قبل نهاية الأسبوع الجاري، أو بداية الأسبوع المقبل.

الوضع الميداني

ميدانياً، عنف الإعتداءات الإسرائيلية تصاعد اعتباراً من فجر الأربعاء، وطال منطقة عرمون والسعديات وبناية مأهولة في بعلبك، وفندقاً في الحازمية، وتركّز بسلسلة غارات عنيفة على الضاحية الجنوبية، تواصلت على مدى نهار أمس، فيما كانت مناطق واسعة في الجنوب تتعرّض لغارات عنيفة ولاسيما على بلدة الخيام، التي أفيد عن توغل الجيش الإسرائيلي إليها، نفّذ «حزب الله» في موازاتها سلسلة عمليات واستهدافات للمواقع الإسرائيلية، وخصوصاً في المستوطنات القريبة من خط الحدود.

المنطقة العازلة

على أنّ الأخطر من كل ذلك، هو الإعلان الإسرائيلي لتفريغ منطقة جنوب الليطاني، عبر دعوة وجّهها المتحدّث باسم الجيش الإسرائيلي: «إلى سكان جنوب لبنان، عليكم إخلاء منازلكم فوراً. كلّ مَن يتواجد بالقرب من عناصر «حزب الله» أو منشآته أو وسائله القتالية، يُعرّض حياته للخطر. أي منزل يُستخدَم من قِبل «حزب الله» لأغراض عسكرية، قد يكون عرضةً للاستهداف. عليكم إخلاء منازلكم فوراً، والانتقال شمالاً إلى وراء نهر الليطاني. إنّ أيّ تحرّك جنوباً قد يُعرّض حياتكم للخطر».

وتزامن ذلك مع إعلان الجيش الإسرائيلي عن تعزيز قواته على الحدود الشمالية، وإعادة نشر الفرقة 146 على حدود لبنان، ومع معلومات أمنية حول توغّل إسرائيلي لمئات الأمتار داخل الأراضي اللبنانية، واستحداث نقاط جديدة إضافية للنقاط الخمس التي يحتلّها بالقرب من الحدود.

تؤشر هذه الوقائع المتسارعة، إلى ما تبدو أنّها مرحلة تصعيد جديدة مفتوحة على وقائع ميدانية مجهولة المعالم حتى الآن. وإذا كانت التقديرات الأمنية تلفت إلى أنّ هذه الإجراءات التفريغية سبق للجيش الإسرائيلي أن لجأ إليها في مراحل المواجهات السابقة، ولاسيما إبان حرب تموز 2006، وكذلك في حرب الـ66 يوماً في العام 2024، إلّا أنّها تبدي خشية كبرى من تطوّرات عملية أكثر خطورة قد تلجأ إليها إسرائيل في هذه المرحلة، إذ يندرج في رأس قائمة التكهّنات، عمل عسكري إسرائيلي واسع باجتياح بري لكامل منطقة جنوب الليطاني، على غرار ما كان قائماً في مرحلة «الشريط الحدودي» التي فرضته في اجتياح العام 1982 وحتى العام 2000.

مواجهة طويلة الأمد

ووفق تلك التقديرات، فإنّ إسرائيل من خلال محاولة إخلاء جنوب الليطاني، بدأت العمل على إقامة ما تُسمِّيها المنطقة العازلة الخالية من الحياة، ليس ضمن بضعة كيلومترات بعيداً من الخط الحدودي، بل امتداداً على كل منطقة جنوب الليطاني، بذريعة حماية المستوطنات من صواريخ «حزب الله». ما يعني تلقائياً أنّ تلك المنطقة مفتوحة على مواجهة طويلة الأمد، وخصوصاً مع عودة عناصر «حزب الله» إلى استئناف عملياته ضدّ مواقع الجيش الإسرائيلي والمستوطنات، خصوصاً من داخل منطقة جنوب الليطاني.

واللافت في هذا السياق، قول مسؤول رفيع لـ«الجمهورية»: «إنّ الخطوة الإسرائيلية الرامية إلى إفراغ منطقة جنوب الليطاني ليست مفاجئة، لأنّ المنطقة العازلة هدف إسرائيلي صرّحت عنه في مرّات عديدة خلال عدوان الـ66 يوماً وكرّرت ذلك في الفترات التالية للحرب».

وأكثر ما يُثير الخشية في هذا الأمر، يُضيف المسؤول الرفيع عينه هو «أنّ هدف إسرائيل بإقامة «المنطقة العازلة» يحظى بدعم وتغطية من الولايات المتحدة، التي حاولت أن تُخفِّف من وطأة اسم المنطقة العازلة، فأسقطت عليها اسماً إغرائياً لجذب موافقة لبنان عليها. وتجلّى ذلك بوضوح شديد خلال زيارة الوفد الأميركي إلى بيروت في آب، وكان في عداده السيناتور الأميركي ليندسي غراهام وتوم براك ومورغان أورتاغوس، وطرح على لبنان آنذاك اسماً حركياً لـ«المنطقة العازلة» تحت مسمّى «المنطقة الاقتصادية باسم الرئيس الأميركي دونالد ترامب»، بوصفها «مشروعاً إنمائياً يعِد بجذب الاستثمارات وخلق فرص عمل في منطقة أنهكتها الحرب». وتبعت ذلك زيارة للموفد الأميركي توم براك إلى منطقة الجنوب لمعاينة ما سمّاه «المكان الذي ستقام عليه المنطقة الاقتصادية باسم الرئيس ترامب».

وفي رأي المسؤول عينه «أنّ الأمور تبدو مفتوحة، إذ لا توجد أي ضوابط للميدان الحربي وما يتسارع فيه من تطوّرات واعتداءات إسرائيلية، ما يُصعِّب تقدير المدى الذي قد تنحدر إليه الأمور، في ظل محاولة إسرائيل فرض أمر واقع جديد جنوب الليطاني، توازياً مع التطوّرات الحربية المتفاقمة على الجبهة الإيرانية. إلّا أنّ ما يمكن التأكيد عليه هو أنّ الأمور مفتوحة على كل السيناريوهات والاحتمالات الصعبة، في الواقع الصورة أكثر من قاتمة، ولا يمكن التنبّوء بما قد يحصل».

متابعة داخلية

التطوّرات الميدانية، فرضت استنفاراً لدى المستويات الرسمية لمتابعتها. وفيما توالت إشارات الدعم الخارجية للقرار الأخير الذي اتخذته الحكومة في ما خصّ «حزب الله» وجناحه العسكري، والدعوات إلى تطبيقه بصورة حازمة، أفيد عن اتصالات متجدّدة تجري عبر مستويات رفيعة في اتجاهات خارجية متعدّدة، سعياً لوقف الإعتداءات الإسرائيلية، ويتولّى الجانب الأساس في هذا السياق رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون، الذي أكّد في لقاءاته الديبلوماسية في القصر الجمهوري أمس، على ضرورة وقوف أصدقاء لبنان إلى جانبه في هذه المرحلة، والسعي لوقف الاعتداءات الإسرائيلية وما تقوم به في المنطقة الجنوبية، ولاسيما تفريغ القرى والبلدات اللبنانية، والتوغل إلى داخل الأراضي اللبنانية. وضمن هذه الإشارات، اتصال هاتفي تلقّاه رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون من أمين سرّ الدولة البابوية الكاردينال بيترو بارولين، أكّد خلاله دعم الكرسي الرسولي للبنان في هذه الأيام الصعبة، واستعداده للمساعدة في الحدّ من معاناة اللبنانيِّين. وردّ الرئيس عون شاكراً ومقدّراً مواقف قداسة البابا لاوون الرابع عشر حيال لبنان واللبنانيِّين.

كما تلقّى رئيس الجمهورية، اتصالاً من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، وتشاور معه في التطوُّرات الأمنية الراهنة، وشدّد عون على تدخُّل فرنسا لوقف الاعتداءات الإسرائيلية على لبنان. كذلك التقى السفير الأميركي في لبنان ميشال عيسى وعرض معه الأوضاع الراهنة في لبنان والمنطقة، في ضوء التطوُّرات الأمنية المستجدة. وطلب منه تدخُّل الولايات المتحدة لوقف الاعتداءات الإسرائيلية على لبنان.

بيان الجيش

إلى ذلك، أعلنت قيادة الجيش، أنّه «في ضوء استمرار الإعتداءات الإسرائيلية على مختلف المناطق بالتزامن مع توغل للقوات الإسرائيلية داخل الأراضي اللبنانية في خرق فاضح للقرارات الدولية وانتهاك للسيادة اللبنانية، وعقب عمليات إطلاق الصواريخ والمسيّرات من الأراضي اللبنانية، تؤكّد قيادة الجيش متابعتها لتنفيذ قرارات السلطة السياسية بما يراعي المصلحة الوطنية العليا».

وأكّدت القيادة، أنّها «تُواصل التنسيق مع قوّة الأمم المتحدة الموقتة في لبنان (اليونيفيل) ولجنة الإشراف على اتفاق وقف الأعمال العدائية (Mechanism) لوقف الاعتداءات الإسرائيلية، فيما تُنفّذ الوحدات العسكرية إعادة تموضع لبعض النقاط الحدودية ضمن قطاعات المسؤولية المحدّدة لها في ظل الإمكانات المحدودة المتوافرة، وتطبّق تدابير إستثنائية لحفظ الأمن ومنع المظاهر المسلحة في مختلف المناطق». وأعلنت أنّه «في هذا الإطار، ضبطت حواجز الجيش خلال اليومين الماضيَين 26 لبنانياً وفلسطينياً واحداً في عدة مناطق، لحيازتهم أسلحة وذخائر بصورة غير قانونية. كما عزّزت هذه الوحدات انتشارها عند الحدود الشرقية بالتنسيق مع السلطات السورية المعنية».

ودعت قيادة الجيش المواطنين إلى «التقيُّد بتوجيهات الوحدات المنتشرة حفاظاً على سلامتهم»، لافتةً إلى أنّها «سلّمت المضبوطات وبوشر التحقيق مع الموقوفين بإشراف القضاء المختص».

قاسم

وفي اطلالة متلفزة أمس، قال الامين العام لـ«حزب الله» الشيخ نعيم قاسم: إن «اطلاق الصواريخ في رشقة واحدة هو رد على العدوان الإسرائيلي الأميركي. هو رد على 15 شهرًا من الانتهاكات والاستباحة الإسرائيلية لكل شيء يتعلق بنا». وأكد «اننا سنواجه العدوان وهو بالنسبة لنا دفاع وجودي سيستمر حتى تحقيق الأهداف، وخيارنا أن نواجههم إلى درجة الاستماتة إلى أبعد الحدود ولن نستسلم».

Top-rated team

Best Development Company in Lebanon

iPublish Development delivers high-performance web development, social media marketing, and Instagram management to grow your brand with measurable results.

Explore iPublish Development
Fast delivery Modern stack Growth-focused

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى