بين فشل التغيير وذاكرة الانهيار: هل يحنّ اللبناني إلى جلاده؟

كتب عمر بلح لقلم سياسي،
في لبنان، لا تُهزم المنظومات بالكامل، بل تنتظر لحظة ضعف خصومها لتعود. ولا تسقط الطبقات السياسية بالضربة القاضية، بل تتوارى إلى أن يفشل البديل، فتطلّ برأسها من جديد وكأن شيئًا لم يكن. نحن اليوم أمام مشهد سياسي مرتبك: انتخابات قد تحصل وقد تُؤجَّل، قوى تغيير دخلت البرلمان بلا مشروع موحّد، ووجوه من الماضي تتحرك في الظل، تختبر نبض الشارع، وتراقب لحظة التعب الجماعي.
السؤال لم يعد إن كانت الحريرية السياسية أو غيرها من الأسماء التقليدية قادرة على العودة، بل: هل اللبناني نفسه مستعد لإعادة إنتاج من شارك في الانهيار، فقط لأن البديل لم يُقنعه؟ هنا تكمن المعضلة الأخلاقية قبل أن تكون سياسية. فالشعب الذي خرج يومًا إلى الشارع مطالبًا بإسقاط المنظومة، يجد نفسه اليوم أمام تجربة تغيير لم تستطع أن تتحول إلى إدارة، ولا إلى رؤية اقتصادية متكاملة، ولا حتى إلى جبهة سياسية متماسكة. دخل بعض ممثلي التغيير إلى المؤسسات، لكنهم لم يدخلوا بعقل الدولة. بقوا في منطق الاعتراض أكثر مما انتقلوا إلى منطق البناء. وحين يغيب المشروع، تتقدم الذكريات.
في ذكرى الرابع عشر من شباط، لم يكن النزول الكثيف إلى الشارع مجرد استذكار لحدث أليم في التاريخ السياسي اللبناني، بل كان تعبيرًا عن حنين دفين إلى زمن يُنظر إليه اليوم بوصفه أكثر استقرارًا. ليس لأن ذلك الزمن كان مثاليًا، بل لأن الحاضر أكثر قسوة. عندما تتآكل القدرة الشرائية، وتتبخر المدخرات، ويُرهق القطاع الخاص بضرائب وتضخم وقرارات ترقيعية، يصبح الماضي، بكل عيوبه، أقل فوضى من الحاضر. وهنا تكمن خطورة اللحظة: ذاكرة اللبناني قصيرة في المحاسبة، لكنها طويلة في الحنين.
السياسيون “السالفون” ليسوا أبرياء. هم جزء من نظام اقتصادي راكم دينًا عامًا، وأدار هندسات مالية، وساهم في تكريس اقتصاد ريعي هشّ. لكنهم، في نظر شريحة من الناس، كانوا يعرفون كيف تُدار اللعبة. كانوا يملكون شبكات، وتحالفات، وإيقاعًا سياسيًا مفهومًا. أما البديل، فبدا صادقًا أحيانًا، لكنه متردد، ومتشظٍ، وعاجز عن فرض معادلة جديدة. وبين الفساد المنظّم والعجز المبعثر، يقف الناخب حائرًا.
هل نحن أمام عودة حتمية للقديم؟ ليس بالضرورة. لكننا أمام احتمال واقعي لإعادة تدويره. في لبنان، السياسة لا تقوم فقط على البرامج، بل على العصبيات، والخدمات، والرمزية. وإذا فشل التغيير في بناء سردية اقتصادية واضحة، وفي تقديم نموذج إداري قادر على إقناع الناس بأنه يملك خطة لا شعارًا، فإن الباب سيفتح واسعًا أمام عودة من يعرفون كيف يستثمرون في الخيبة.
الأخطر أن يتحول النقاش إلى مقارنة سطحية بين سيئ وأسوأ، بدل أن يكون مواجهة حقيقية حول من يملك مشروع دولة. فلبنان لا يحتاج إلى استعادة زعامات بلباس جديد، ولا إلى تكرار خطاب ثوري بلا أدوات تنفيذ. يحتاج إلى عقد سياسي جديد، إلى وضوح في الرؤية الاقتصادية، إلى مصارحة الناس بحجم الكارثة، لا إلى تسويق أوهام الاستقرار.
اللبناني لا يحنّ إلى جلاده لأنه يحبه، بل لأنه خذله البديل. وهذه ليست تبرئة لأحد، بل إدانة للجميع. إدانة لمن حكموا فقادوا البلاد إلى حافة الانهيار، وإدانة لمن وعدوا بالتغيير فعجزوا عن تحويل الوعد إلى برنامج حكم. بين هؤلاء وأولئك، يقف البلد معلقًا بين ذاكرة الانهيار وخوف المغامرة.
إذا جرت الانتخابات، فلن تكون مجرد استحقاق دستوري، بل اختبارًا للوعي الجماعي: هل نصوّت بدافع الحنين، أم بدافع المحاسبة؟ هل نبحث عن وجوه مألوفة تريح أعصابنا، أم عن مشروع يوجعنا قليلًا لكنه ينقذنا طويلًا؟ هنا تُكتب المرحلة المقبلة. وهنا يتقرر إن كان لبنان سيتقدم خطوة نحو دولة، أم سيعود خطوة إلى منظومة يعرفها جيدًا، حتى لو كانت جزءًا من أزمته.
السؤال لم يعد من سيعود إلى البرلمان، بل أي عقلية ستعود لإدارته. وفي بلد اعتاد تدوير أزماته بدل حلّها، يبقى الخوف أن يتحول الحنين إلى صندوق اقتراع، وأن يتحول الإحباط إلى تفويض جديد للقديم. عندها لن يكون الانهيار قدرًا، بل خيارًا جماعيًا.



