ظلم ذوي القربى… حين تصبح السجون موطن الأبرياء

كتب عبد الرزاق الأدهمي لقلم سياسي،
من أعقد مآسي الظلم أن يأتي من أقرب الناس إليك، ممن يفترض فيهم أن يكونوا سنداً وحماية. وهذا ينطبق على العلاقات بين الأفراد كما ينطبق على علاقة الدولة بشعبها. فعندما تتحول الدولة – التي يفترض أن تكون حامية للحقوق – إلى أداة للقمع والإقصاء، فإن الظلم يصبح أشد وطأة وأعمق أثراً.
حين تختار فئة معينة من المجتمع لتكون مستهدفة، سواء بسبب انتمائها السياسي والديني أو خلفيتها الفكرية أو هويتها، فإن هؤلاء يجدون أنفسهم في مواجهة من يفترض أن يكون “البيت الكبير” الذي يأوي الجميع. وتتحول السجون من أماكن لإصلاح المجرمين إلى مساحات تبتلع الأحلام وتخنق الأصوات.
في زنازين الظلم، تُدفن الطموحات وتُقتل المواهب. تتحول السجون إلى متاحف حية للإبداع بالمساجين، حيث كل قضيب نافذة على حياة أوقفت في منتصف الطريق. هناك يقبع المفكرون والمعارضون وأصحاب الرأي الآخر، الذين كان يمكن أن يكونوا شركاء في البناء لا سجناء في الزنازين.
الغريب أن الظالم قد لا يدرك أنه بحبسه للآخرين إنما يحبس وطنه في زنزانة التخلف والجمود. فالمجتمعات لا تنهض إلا بتنوعها، ولا تزدهر إلا بحرية أبنائها. حين تُقصى فئة كاملة، فإن الجرح لا يلتئم بسهولة، ويظل نزيفه مستمراً في وجدان الأمة.
العدل ليس شعارات ترفع، بل ممارسة تُعاش. والدولة العادلة هي التي تسع الجميع، وتحمي حقوق المخالف قبل الموافق، وتجعل من القانون سيداً لا أداة في يد أحد. فأي وطن هذا الذي يضيق بأبنائه؟ وأي مستقبل ينتظر مجتمعاً يبني سجونه على أنقاض عقول أبنائه؟
ربما آن الأوان لإعادة النظر، لفتح الأبواب المغلقة، وإخراج العقول من وراء القضبان، لنجرب معاً أن الوطن يتسع للجميع، وأن الظلم – مهما كانت مصادره – نهاية لا يحبها الله ولا يرضاها الناس.



