المر: التفاوض ضرورة للبنان وأنا متفائل كثيراً… المفاوضات: اتفاق عـلى وقف نار مشروط

انتهت جولة المفاوضات اللبنانية الاسرائيلية التي انعقدت على مدى اليومين الماضيين في العاصمة الاميركية، الى اتفاق بين الجانبين على وقف لاطلاق النار على ان يكون مشروطا بالتوقف الكامل لاطلاق النار من جانب «حزب الله»، والاسراع في تنفيذ مناطق تجريبية يتولى فيها الجيش اللبناني السيطرة الحصرية، واجلاء جميع عناصر الحزب من منطقة جنوب الليطاني». على أنّ الحدث الأبرز في موازاة المفاوضات التي تزامنت مع تسخين ملحوظ للجبهة الجنوبية، إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن أنّ وقف إطلاق النار في لبنان مختلف عن وقف إطلاق النار في أماكن أخرى في العالم، مؤكّداً انّه يريد الفصل بين مسألة فتح مضيق هرمز والقتال في لبنان.
تقدّم ملحوظ
دامت المفاوضات حتى ساعة متقدّمة من فجر اليوم الخميس، وسط مؤشرات لا توحي بالتقدّم النوعي نحو وقف إطلاق النار تام وشامل وغير مشروط، فيما برز ما نقله موقع «اكسيوس» الأميركي عن مسؤول أميركي رفيع، بأنّ «المحادثات بدأت ببطء، لكنها أحرزت تقدّماً ملحوظاً نحو التوصل إلى اتفاق بشأن خطة عمل». سبقه وزير الخارجية الأميركية ماركو روبيو، الذي واكب جولة المفاوضات أمس، بالإعراب عن أمله «في أن يسفر اجتماع إسرائيل ولبنان اليوم (أمس)، عن بيان مشترك
وخطة عمل». واكّد «انّ «حزب الله» عدو لإسرائيل ولبنان، وانّ لإسرائيل الحق في الدفاع عن نفسها». وقال: «نأمل أن نتمكن من إرساء نموذج تعاون لنزع سلاح حزب الله».
معلومات ديبلوماسية
يأتي ذلك في وقت كانت فيه خطوط الاتصال الرسمية مفتوحة مع الوفد اللبناني في واشنطن، بالتوازي مع مشاورات مكثفة على مختلف الخطوط السياسية الداخلية، والتي تقاطعت على الأمل في أن تفضي المفاوضات إلى الإيجابيات المرجوة. وفي هذه الأجواء، قال مصدر ديبلوماسي مواكب لمسار المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية برعاية أميركية لـ«الجمهورية»، إنّ لبنان تمسّك بثلاث نقاط أساسية خلال جولتَي التفاوض أمس الأربعاء وأول أمس الثلاثاء، وأشار إلى أنّ هذه النقاط «تبدأ بوضع آليات واضحة لوقف شامل للنار، ثم تثبيت هذا الوقف الشامل وضرورة على أن لا يقتصر على بيروت وشمال إسرائيل، كما كان الحال في اتفاق الوساطة الذي أجراه رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري مع واشنطن، بل يمتد إلى مناطق عمل قوات المشاة الإسرائيلية في أقضية الجنوب والبقاع الغربي، وصولاً إلى تحديد منطقة تجريبية يعمل فيها الجيش اللبناني على نزع سلاح «حزب الله»، ولا تستهدفها إسرائيل تحت ذريعة حرّية الحركة تجاه التهديدات المباشرة من «حزب الله»، مع تحديد مُهَل زمنية لمعالجة السلاح والبنى التحتية العسكرية غير الشرعية في هذه المنطقة، يقابلها انسحاب إسرائيلي من منطقة موازية».
وأضاف المصدر نفسه، أنّ «الوفد الإسرائيلي ظلّ يراوغ في جلسات التفاوض عند اقتراب الوصول إلى نقاط حاسمة، حتى تأجّل حسم تحديد هذه المنطقة وآلياتها، ممّا يبقي اتفاق وقف إطلاق النار على ما هو عليه الآن، ويؤجِّل أي انسحاب إسرائيلي. بالإضافة إلى أنّ إسرائيل أصرَّت على ألّا تكون هناك أي منطقة تجريبية في منطقة جنوب الليطاني، بل كان تركيزها على البقاع الغربي أو قضاء صيدا أو قضاء النبطية».
وتخوَّف المصدر من أن تكون العرقلة الإسرائيلية لتطوُّر المسار السياسي والأمني في المفاوضات وإبقاء وقف إطلاق النار على ما هو عليه، أي أنّه تسمية لأمر غير موجود على الأرض، يؤشر «إلى تذرُّع إسرائيل في الأيام القليلة المقبلة بأنّ «حزب الله» خرق اتفاق «بيروت-الشمال» بأكثر من مناسبة منذ الإعلان عنه، فتعتدي على الضاحية الجنوبية لبيروت، بالتالي تكون مرَّرت لترامب جولتَي 2 و3 حزيران ولم تُجهِض المفاوضات الأميركية-الإيرانية، على اعتبار أنّ الحزب لم يلتزم بما وعد به حليفه الرئيس بري، فتنفّذ مرادها خلال الوقت الضائع قبل الجولة المقبلة المتوقع حصولها يوم 22 حزيران».
غير أنّ الديبلوماسي نفسه، أكّد أنّ خريطة طريق «المسار الأمني شهدت تقدُّماً، لكن لم يكن كافياً لإنتاج أمر عملياتي يُترجَم فوراً، إنّما سيستدعي بحثه في الجولة المقبلة من المفاوضات».
والمعلومات الرسمية حول مسار المفاوضات، أبرزت ما وصفته بالنقاش المتقدّم. وأبلغ مصدر رسمي إلى «قناة الجزيرة» قوله «انّ هناك تفهماً أميركياً للمقاربة اللبنانية، وانّ وفد لبنان يدفع للتوصل إلى حل شامل بالتوازي بين مساري انسحاب إسرائيل وبسط سلطة الدولة». ولفت المصدر إلى أنّ «المدخل للحلّ هو وقف إطلاق نار شامل. وندرك أنّ ذلك يحتاج وقتاً»، موضحاً أنّ «سقف توقعاتنا من جولة اليوم وضع تصور لوقف شامل لإطلاق النار متدرّج زمنياً وجغرافياً»، ومشدّداً على أنّ «وقف إطلاق النار الشامل على كافة الأراضي اللبنانية يحتاج ضمانة أميركية».
المر في بعبدا
وكان مسار التفاوض، محل متابعة مباشرة وحثيثة من قبل رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون، الذي استقبل في القصر الجمهوري في بعبدا أمس، نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الداخلية والدفاع السابق الياس المر، وجرى عرض لآخر التطورات في ضوء المفاوضات المباشرة الجارية في واشنطن.
وقال الرئيس المر بعد اللقاء: «كان موضوع البحث الأساسي في الاجتماع مع رئيس الجمهورية اليوم الوضع في الجنوب والاعتداءات الإسرائيلية التي تحصل عليه وعلى شعبنا وأهلنا والقرى فيه وعلى جميع اللبنانيين والجيش اللبناني. إنّ هذا الموضوع يحظى بأهمية أساسية وكبيرة لدى فخامة الرئيس، وفي الوقت نفسه، هناك مفاوضات تُعقد في أميركا مع الدولة اللبنانية ممثلة بالفريق السياسي والفريق العسكري».
أضاف: «الموضوع الذي أريد التشديد عليه اليوم في ضوء ما نسمعه من قِبل من يخوّن أو يشكّك في كيفية حصول التفاوض، هو أننا في حرب مع إسرائيل ولسنا بحالة تفاوض، لنتحدث كما في السابق، حيث كان هناك أسرى للمقاومة لدى الإسرائيليين، وحصل تفاوض بواسطة الإلمان وغيرهم لإيجاد حل للموضوع. يمكن أن يحصل تفاوض غير مباشر من خلال الإلمان لحل موضوع مرتبط بشق مهمّ جداً، لكنه يُعتبر محصوراً نسبة للوضع الذي نعيشه اليوم».
وتابع قائلاً: «نحن في حالة حرب، ولبنان كله في حالة حرب مع إسرائيل، وشعبنا مهجّر على الطرقات. وكما رأينا منذ يومين، جنّب فخامة الرئيس البلد وبيروت كارثة كبيرة جداً. إننا نشكّك بمن؟ بالدولة اللبنانية لأنّها تفاوض؟ باللجنة العسكرية؟ لقد عشت مع الجيش تقريباً تسع سنوات، ولا أشك بتفريط أي عسكري ولا قيادة الجيش بشبر من أرض لبنان. لا بل بالعكس، فإنّ أكبر ضمانة للبنان وجود لجنة عسكرية تفاوض باسمه، لأنّ هؤلاء الضباط يمثلون كل الشعب اللبناني الذي يقف وراء المؤسسة، وهم والمؤسسة العسكرية دفعوا دماً على أرض لبنان في كل المحطات التي مرّ فيها البلد منذ العام 1969 وحتى يومنا هذا».
وقال: «إني مرتاح أكثر انّ هناك لجنة عسكرية تفاوض اليوم، لأني اعرف انّ هذه المفاوضات تكون قاسية، وتعرف اللجنة أن تقول لا وأن تحافظ على كل شبر، لأنّها تعرف كم أنّ هذه الـ «لا» مهمّة لوحدة الجيش والوطن، وكم انّ الـ»نعم» التي تقولها باستطاعتها أن تحصّن البلد والوطن والجنوب وأهله. ولهذا السبب، فإنّ التفاوض مع فريق نحن بحرب معه هو شيء طبيعي، وكل الدول تفاوض بعضها البعض. إيران تفاوض أميركا، وأميركا تفاوض إيران لإيجاد حل للحرب. وإيران تقول عن أميركا الشيطان الأكبر، وهي تجلس معها على طاولة مفاوضات لحل مشكلة الحرب. حسناً، إيران تقول الشيطان الأكبر ومسموح لها بالتفاوض، ويجب ومن الضروري أن تفاوض، ولبنان في حرب ضروس عليه منذ أشهر او منذ سنتين حتى اليوم ممنوع أن يفاوض؟ حسناً مع مَن يفاوض؟ هل يضع فريقاً في الوسط ليفاوض مع الإسرائيلي عنه؟ على أي أساس؟ أليس لدينا ثقة برجالاتنا السياسيين الذين يفاوضون وبخاصة العسكريين؟ بل بالعكس، فليرفضوا أو يوافقوا على بنود على طاولة المفاوضات، كي نعرف انّه تمّ الاتفاق او رُفضت بنود استراتيجية وأساسية لبلدنا. لهذا السبب التفاوض المباشر ليس مشكلة طالما هناك رجال وطنيون يفاوضون باسم لبنان».
وختم: «هذا ما أحببت أن أقوله. وانا متفائل كثيراً، لأنّها للمرّة الأولى يُصادف وجود لبنان على طاولة رئيس جمهورية أميركا، وللمرّة الأولى يُصادف وجود رئيس جمهورية لبنان. وبقدر ما هو بحاجة للدعم الأميركي والوساطة الأميركية لحل مشاكلنا في لبنان، بقدر ما أميركا هي أيضاً بحاجة لرئاسة الجمهورية والمؤسسات اللبنانية من رئاسة مجلس وحكومة، لتتمكن من تحقيق الأهداف التي تهمّها في المنطقة. لهذا السبب يجب أن نستفيد من هذا الظرف، ونحصّل قدر استطاعتنا لبلدنا، من وقف لإطلاق نار، والانسحاب، وإعادة أسرى، وإعادة إعمار، والتنقيب عن الغاز، لخلق فرص عمل في الجنوب، وتسليح الجيش. وكل ذلك يستطيع رئيس أميركا باتصالاته والمونة والعلاقات التي لديه والمصالح الموجودة مع دول الخليج وغيرها أن يؤمّنها للبنان. وإذا لم تكن الدولة موجودة اليوم على الطاولة، فإنّ غيرنا سيأخذ هذه المكاسب وليس نحن».
واشنطن: استقرار لبنان
إلى ذلك، قال مسؤول رفيع «انّ تأكيدات أميركية متجددة تلقّاها مسؤولون لبنانيون كبار، على الحرص على لبنان وعدم تطوّر الأمور فيه بشكل دراماتيكي».
وقال المسؤول الرفيع، الذي كان له دور محوري في حركة الاتصالات السابقة لردع ترامب لتصعيد نتنياهو: «الانطباع الاولي هو انّ الامور بدأت تلفحها نسمة إيجابية، للمرّة الاولى منذ بداية الحرب، أملنا ان تتبعها إيجابيات ملموسة. لقد وعد الأميركيون بأن يأتونا بأخبار طيبة، وما زلنا ننتظر أن يصدق الوعد بالوصول الى وقف تام لاطلاق النار. مثل هذا الوعد يلبّي ما نريده، لكن الحكم النهائي ليس على الأقوال بل على الافعال».
هل اقتربنا؟
وكان البارز في الساعات الماضية، اعلان الرئيس الاميركي عن إيجابيات مهمّة جداً على خط التفاوض، وانّ الموقف مع إيران يتطور بسرعة وسيكون جيداً جداً، واعلانه ايضاً انّه منزعج من قتال بنيامين نتنياهو المستمر مع لبنان. وحول هذا الأمر قال مرجع كبير رداً على سؤال لـ«الجمهورية»: «إن كان هذا الموقف ثابتاً وغير قابل للتغيير، يمكن البناء عليه. اما ما يعنينا في لبنان، فهو ان تلي هذا الموقف، وما يردنا من إشارات اميركية إيجابية، خطوات تنهي الحرب».
وقيل للمرجع، إنّ الإعلام العبري يقول انّ نتنياهو يعتريه قلق كبير من إقدام ترامب على مفاجأة مؤلمة ترغمه على وقف تام وشامل لإطلاق النار مع لبنان، والانسحاب إلى ما بعد الحدود الدولية، ولذلك قد يلجأ إلى التصعيد. فقال: «إن قرّر ترامب شيئاً، فلن يستطيع نتنياهو أن يرفض او يعارض، بل ينصاع له صاغراً، ذلك انّه خاضع لاستجابة عمياء لترامب».



