
بعد الاجتماعَين التمهيديَّين الأخيرَين على مستوى السفراء، انطلقت في واشنطن أمس المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية على مستوى الوفود برعاية الخارجية الأميركية، في أجواء مقلقة، نجمت عن التناقض بين طروحات لبنان وإسرائيل. وأكّدت مصادر رسمية لـ»الجمهورية»، أنّ الوفد اللبناني طرح تثبيت وقف إطلاق النار أولاً، تمهيداً للبحث في اتفاق على إنهاء حال الحرب، فيما طرحت إسرائيل تحت النار التي لم توقفها أمس، «اتفاق سلام شامل مع لبنان مقابل تفكيك «حزب الله»، بحسب ما عبّر رئيس الوفد الإسرائيلي.
قبل ساعات من انعقاد الجلسة الأولى من المفاوضات اللبنانية- الإسرائيلية في الخارجية الأميركية في واشنطن، صرّح رئيس الوفد الإسرائيلي السفير في واشنطن يحيئيل ليتر لموقع «واللا» العبري «أنّ تل أبيب تطرح مسارَين متوازيَين: اتفاق سلام شامل مع لبنان مقابل تفكيك«حزب الله». وإسرائيل لن تقبل بعودة الحزب إلى إعادة بناء قدراته العسكرية»، مشيراً إلى أنّ «ليس هناك وقف لإطلاق النار بالمعنى المطلوب، لكنّنا سندافع عن جنودنا ومواطنينا في كل الظروف، ولن نسمح بإعادة تسليح الحزب».
ولفت إلى أنّ الجيش الإسرائيلي عثر منذ بدء عملياته على «8 آلاف صاروخ وقذيفة ووسائل قتالية وأنفاق» في جنوب لبنان، معتبراً «أنّ ما يجري على الأرض يتناقض مع تصريحات الحكومة اللبنانية في شأن إزالة سلاح الحزب من الجنوب». وأشار ليتر إلى أنّ إسرائيل طرحت خلال المحادثات مبادرة جديدة تقوم على خطوات ميدانية تدريجية، قائلاً: «نُحدِّد منطقة معيَّنة ونعمل مع الجانب اللبناني على تنظيفها، ثم ننتقل إلى المرحلة التالية»، موضّحاً «أنّ إسرائيل مستعدة أيضاً للدخول في مسار سياسي واسع، يشمل مفاوضات على سلام كامل، يتضمّن ملفات الحدود والسفارات والتأشيرات والسياحة»، معتبراً «أنّ التوصُّل إلى اتفاق من هذا النوع قد يحدث خلال أشهر»، لكنّه ربط ذلك «بنجاح مسار تفكيك الحزب».
سحب السلاح
وفي سياق متصل، ربط ليتر بين الملف اللبناني والمفاوضات الأميركية – الإيرانية، كاشفاً عن نقاش دار داخل المكتب البيضاوي في حضور الرئيس الأميركي دونالد ترامب ونائبه جي دي فانس ووزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، بالإضافة إلى السفيرة اللبنانية في واشنطن ندى حمادة معوّض وسفير إسرائيل لدى الولايات المتحدة مايك هاكابي.
وبحسب روايته، شدَّد خلال الاجتماع على ضرورة أن يتضمّن أي اتفاق مع إيران إنهاء ما وصفه بـ«التهديد النووي والباليستي» ووقف دعم طهران لحلفائها في المنطقة. كما نقل عن السفيرة اللبنانية في واشنطن قولها لترامب «إنّ أي اتفاق مع إيران لا يتضمّن وقف دعم الحزب لن يترك مستقبلاً للبنان»، مشيراً إلى أنّ ترامب علّق بالقول: «إذاً أنتم عملياً في الجهة نفسها، فكلاكما يريد القضاء على حزب الله».
وقد انعقدت الجلسة الأولى من المفاوضات عند الرابعة بعد الظهر بتوقيت بيروت، وسط أجواء توتر متصاعدة في أروقة وزارة الخارجية الأميركية، لكنّها لم تُسجِّل أي خرق ملموس. ونقلت قناة «الحدث» عن مصدر في واشنطن «إنّ لبنان لا يملك الكثير لتقديمه في الملفات الأمنية المطروحة خلال هذه المفاوضات»، مشيراً إلى «أنّ الرسالة اللبنانية كانت واضحة: أي تهدئة محتملة قد تفتح المجال لتعزيز دور الدولة والجيش».
وأفادت مصادر قصر بعبدا، أنّ الاتصال بين الوفد اللبناني ورئيس الجمهورية العماد جوزاف عون بعد الجلسة الأولى دام نصف ساعة قبل انعقاد الجلسة التفاوضية الثانية التي امتدّت حتى الساعة العاشرة والنصف مساءً بتوقيت بيروت. وأكّدت المصادر، أنّ وجود مجموعة عمل لمواكبة المفاوضات في القصر الجمهوري، بالإضافة إلى استغراق الجلسة الأولى نصف ساعة إضافية، يشير إلى أنّ النقاشات كانت حافلة ومكثفة.
عون وبري
وكشفت مصادر مطلعة لـ«الجمهورية»، أنّ الرئيس عون اتصل برئيس مجلس النواب نبيه بري وأطلعه على أجواء العاصمة الأميركية، وسأله عن مدى استعداد «حزب الله» لالتزام وقف إطلاق النار، فردّ بري أنّ «المشكلة هي بإسرائيل وليس بـ«حزب الله» لأنّها هي مَن خرقت وقف إطلاق النار بل إنّها لم تلتزمه أصلاً».
إلى ذلك، أكّدت مصادر أميركية، أنّ أجواء الجولة الثانية من المفاوضات لا تدعو للتفاؤل، إذ لا توجد مؤشرات إلى حصول أي تقدُّم ملموس بين لبنان وإسرائيل بعد 4 ساعات من انطلاق المفاوضات.
ونقلت قناة «سكاي نيوز عربية» عن مصادر لبنانية أنّه «سيُمدَّد وقف إطلاق النار بين إسرائيل ولبنان لمدة غير معروفة حتى الآن». وذكرت المصادر أنّ «إسرائيل تُصرّ على مواصلة عملياتها في جنوب لبنان، وأنّ واشنطن تضغط لمنع قصف بيروت وضاحيتها الجنوبية»، في حين أنّ «إسرائيل تنوي توسيع المنطقة العازلة في الجنوب بما يزيد عن عمق 10 كيلومترات». وأضافت: «لبنان سيطالب إسرائيل بعدم تنفيذ أي ضربات أو عمليات عسكرية والعودة إلى لجنة «الميكانيزم» في حال الاشتباه بأي موقع لحزب الله».
اجتماعات تنسيقية من بيروت إلى واشنطن
وقبيل انطلاق المفاوضات، عقد الوفد اللبناني سلسلة لقاءات تنسيقية ضمّت السفير سيمون كرم والسفيرة ندى حمادة معوّض والقائم بالأعمال وسام بطرس، والملحق العسكري العميد أوليفر حاكمة، وقد واكب لبنان الرسمي من بيروت هذه اللقاءات، حيث استقبل رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون رئيس الحكومة نواف سلام.
وكان الرئيس عون، التقى الرئيس سلام الذي أطلعه على نتائج زيارته الأخيرة لسوريا ومحادثاته مع الرئيس السوري أحمد الشرع، مشيراً إلى أنّ «المحادثات كانت جيدة واتُفِق على تعزيز التعاون في مختلف المجالات، وسيتواصل الوزراء من البلدَين مع بعضهم لتنفيذ المواضيع التي تمّ البحث فيها».
وتطرَّق البحث إلى بدء المفاوضات بين الوفود اللبنانية والأميركية والإسرائيلية في واشنطن، في ضوء التوجيهات التي أُعطيت للوفد اللبناني خلال التحضيرات لبدء المفاوضات التي توافقا على مواكبتها من خلال التواصل الدائم. واتفقا على عقد جلسة لمجلس الوزراء الأسبوع المقبل.
«حزب الله»
رأت كتلة «الوفاء للمقاومة»، بعد اجتماعها الدوري أمس، برئاسة النائب محمد رعد، أنّ «العدو الإسرائيلي يواصل ارتكاب جرائمه ومحاولة توسيع احتلاله لأرضنا في الجنوب، وهذا يؤكّد من جديد استغلال الاحتلال لجلسات التفاوض، وتوظيفها لمصلحة احتلاله». وكرَّرت «دعوتنا للسلطة لتعود إلى جوهر الدستور والميثاق، لتعزيز الوحدة الداخلية والتفاهمات الوطنية، ورسم معادلة وطنية تحصِّن موقع لبنان ودوره في التصدّي للعدوان».
وخلال لقائه مع السفير المصري علاء موسى، قال نائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى العلّامة الشيخ علي الخطيب «إنّ العدو لا يضع أمامنا سوى خيار الاستسلام، وهذا لن يكون ولن يحصل، ولن نقبل إلّا بتحرير أرضنا وحماية أهلنا، ونحن نريد الدولة لهذه المهمّة، ولسنا سعداء بأن يستشهد أهلنا وأبناؤنا في مهمّة هي من مسؤوليات الدولة».
أمّا السفير المصري، فقال إنّه أطلع الخطيب على «الجهود التي تقوم بها مصر وتركيا وباكستان والسعودية في ما يتعلّق بتقريب وجهات النظر بين الولايات المتحدة وإيران، ونتأمل أن نجد سبيلاً لحل هذه المسألة والتوصُّل إلى توافق واتفاق، ونرجو أن ينعكس إيجاباً على لبنان والمنطقة».



