
كما يبدو أننا نمر بمرحلة أشد صعوبة ودقة، رغم كل الحركة الدبلوماسية والسياسية. ولا شك أن التحدي الأبرز أمام الدولة اللبنانية هو تثبيت وقف إطلاق النار، إذ تفصلنا يومان عن انتهاء هذه المدة، وهو ما شدد عليه الرئيس وليد جنبلاط بعد لقائه رئيس مجلس النواب نبيه بري، بقوله: “في المرة السابقة أعتقد أنّني ذكرت تعبير المحنة الكبرى، وقد ازدادت تلك المحنة، لكن في الوقت نفسه علينا أن نجد الوسائل الملائمة لتثبيت وقف إطلاق النار”.
ومن على منبر عين التينة، أشار جنبلاط إلى الالتقاء مع الرئيس بري دائماً على التفاوض كأحد الوسائل، بناءً على جدول أعمال واضح، وهو: الانسحاب وعودة الأرض، موضحاً أن “أقصى ما يمكن أن نقدّمه كلبنان هو العودة إلى اتفاق الهدنة، مع إدخال تعديلات عليه، إذ جرى عقده عام 1949، وبالتالي لا بد من صيغة جديدة له”، على حد تعبيره.
وفي هذا الصدد، رأى مصدر مطلع أن “التمسك باتفاق الهدنة لعام 1949 في هذه المرحلة الحرجة، يتمثل في أن هذا الاتفاق قد أقرّ الانسحاب إلى خلف الحدود الدولية ووقف الأعمال العدائية وتثبيت وقف النار بشكل كامل، ويشكل في الوقت عينه سقفاً سياسياً للمفاوضات، على أن يبقى الإطار القانوني الوحيد الناظم للعلاقة بين البلدين، إلى جانب قرارات لاحقة مثل القرارين 425 و1701″، مشيراً إلى أن “هذا الاتفاق أمّن عملياً استقراراً مقبولاً على الحدود ما بين 1949 إلى 1965”.
كما اعتبر جنبلاط أن القرار بسحب قوات “اليونيفيل” من الجنوب “خطأ”، داعياً إلى “الحفاظ عليها وعدم الاعتداء عليها”.
جولة ثانية في واشنطن
تنطلق غداً الجولة الثانية من المحادثات بين لبنان وإسرائيل في مقر الخارجية الأميركية في واشنطن، عند الثامنة والنصف مساءً بتوقيت بيروت، ومن المتوقع أن يشارك في الاجتماع كل من: وزير الخارجية الأميركية ماركو روبيو بالإضافة إلى كل من مستشاره مايك نيديم، وسفير واشنطن لدى لبنان ميشال عيسى، وسفير واشنطن لدى إسرائيل مايك هوكابي، وسفيرة لبنان في واشنطن ندى حمادة، وسفير إسرائيل في واشنطن ياخيل لايتر. أما المسألة الأساس التي ستطرح بحسب المعطيات الواردة تكمن في تمديد وقف إطلاق النار، خصوصاً أنه شرط أساسي للشروع بالمفاوضات.
وفي مؤتمر صحافي بعيد اللقاء مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، في الاليزيه أمس الاثنين، اعتبر رئيس مجلس الوزراء نواف سلام أن “المفاوضات مع إسرائيل ستكون شاقة وستحتاج إلى دعم فعّال من الشركاء”.
وأكد ماكرون أن “تمديد الهدنة بين لبنان وإسرائيل يشكّل خطوة أساسية لانطلاق المفاوضات”، لافتاً إلى “ضرورة انسحاب إسرائيل من جنوب لبنان ونزع سلاح حزب الله ضمن إطار لبناني”.
وقد نجح رئيس الجمهورية جوزاف عون في فصل المسار التفاوضي واستعادة ورقة لبنان من يد إيران، وهي ليست على إستعداد للتخلي عن ورقة “حزب الله” في هذه المرحلة، ما يفسر الهجمة الإيرانية عليه.
صوت العقل والحكمة
شددت مصادر مراقبة لـ “الأنباء الالكترونية” على الخطوات التي ينتهجها رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي النائب تيمور جنبلاط، واصفة إياها بـ “صوت العقل والحكمة” في ظل التحديات الدائرة في لبنان، إذ لاقت مقالته الأخيرة بعنوان “لبنان… التحريض والمخاوف من كارثة جديدة” أصداء إيجابية، وشهرت سلاح التضامن الوطني في وجه كل من يحاول إعادة إنتاج الفتنة، ووجوب أخذ العِبر من التاريخ.
وفي سياق متصل، يتابع النائب جنبلاط جولاته على القوى السياسية، إذ التقى مع وفد من كتلة “اللقاء الديمقراطي” نواب “اللقاء النيابي المستقل”. وتهدف هذه اللقاءات إلى تحصين الوضع الداخلي وتأكيد أهمية تثبيت وقف إطلاق النار وتوحيد الموقف اللبناني في ظل هذه المرحلة الحرجة من تاريخ لبنان.
وبعد اللقاء، شدد أمين سر الكتلة النائب هادي أبو الحسن على أن اتفاق الطائف يطمئن الجميع، مؤكداً ضرورة إطلاق ورشة إصلاح سياسي والشروع خطوة تلو أخرى في تطبيق مندرجاته، ليبقى لبنان الكبير بحدوده ومساحته الـ 10452 كلم². وأشار إلى الإصرار على تطبيق قرارات الحكومة لناحية حصر السلاح بيد الدولة على كامل الأراضي اللبنانية، والعودة إلى المظلة الوطنية الجامعة واتفاق الطائف لمعالجة كل هذه القضايا.
سلام وخيار الدبلوماسية
في خضم المخاطر المحفوفة بلبنان، تشكل جولة الرئيس سلام الأوروبية أهمية بالغة، وذلك من خلال مشاركته في مجلس الشؤون الخارجية للاتحاد الأوروبي في لوكسمبورغ، وزيارته فرنسا ولقاء الرئيس ماكرون، وما صدر عنه.
وأكد سلام المؤكد في كلمة ألقاها أمام المجلس بأن مسار الدولة اللبنانية بـ “خيار الدبلوماسية ليس علامة ضعف، بل هو تعبير عن مسؤولية وطنية تهدف إلى عدم ترك أي مسار غير مستكشف لاستعادة سيادة بلدنا وحماية شعبه”.
وقال: “هدفنا ليس انخراطًاً رمزياً، بل على العكس، نحن مصممون على اغتنام هذه الفرصة للعمل نحو حل دائم”، مشيراً إلى أن “الحكومة تسعى من خلال هذا المسار الدبلوماسي، إلى إنهاء الاحتلال، وضمان الإفراج عن أسرانا، وتأمين عودة النازحين إلى منازلهم وقراهم”.
تمديد وقف إطلاق النار
خلافاً لكل التوقعات، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب أنه وجه بتمديد وقف إطلاق النار بين واشنطن وطهران، مع مواصلة الحصار البحري والإبقاء على القوات في حالة جاهزية.
وأوضح ترامب أن قرار التمديد يأتي استجابة لطلب باكستان تعليق الهجوم على إيران، مشيراً الى أن هذا التمديد سيستمر إلى حين تقديم مقترح إيراني موّحد وإنهاء المناقشات.
إلى ذلك، أعلنت وكالة “تسنيم” عدم مشاركة إيران في جولة المفاوضات، عازية ذلك الى عدم إحراز أي تقدم ملموس في الملفات. وأشارت الى أن إيران تعتقد أن المشاركة في المفاوضات مضيعة للوقت.
ووسط هذه التطورات، يترقب العالم بأسره ما ستفضي اليه المفاوضات الأميركية الإيرانية، في ظل تعثر انعقاد جولة ثانية منها، لا سيما أن الاتصالات جارية بين الوسطاء وبين واشنطن وطهران، بغية الدفع بها إلى مساحات إيجابية وخفض عوامل التصعيد.
وما بين المساعي والواقع، يبدو أن الفجوة كبيرة، فشد الحبال الأميركي – الإيراني بارز في التصريحات وكذلك في المواقف لناحية المسار التفاوضي، وكل طرف يريد أن يعكس نقاط قوته أو يحاول حفظ ماء الوجه.



